فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 5287

الدولة الفرنسي الذي أصبح فيما بعد محور نظام قضائي كامل، هو القضاء الإداري الفرنسي.

وفي ظل نظام القضاء الإداري حققت الإدارة كل ما كانت ترنو إليه من امتيازات وأهمها تلك المجموعة من الأحكام والمبادئ التي استنها مجلس الدولة، لتنظم علاقات الإدارة بالأفراد على أساس مغاير للأساس الذي تقوم عليه الأحكام والقواعد التي تنظم علاقات الأفراد فيما بينهم ضمن دائرة القانون الخاص، استنادا إلى أن الإدارة تعمل للمصلحة العامة بينما يعمل الأفراد للمصلحة الخاصة، الأمر الذي يستوجب تقديم مصلحة الإدارة على مصلحة الأفراد عند قيام التعارض بينهما.

ولكن القضاء الإداري الذي أسبغ عليها من امتيازات، حتى عدل في مركزها القانون أمام الأفراد، لم يتوان لحظة واحدة عن قاربته الشديدة على أعمال الإدارة نظير تلك الامتيازات التي أعترف لها بها، حتى أصبحت معظم قرارات الإدارة خاضعة خضوعا تاما لرقابته الشديدة، التي لا تعرف اللين أو التسامح، فأي قرار تصدره مجافيا لأحكام القانون أو المبادئ المقررة يستوجب الإلغاء السريع والتعويض العادل لكل من أصابه ضرر بسببه، وقد استطاع القضاء الإداري ـ بحكم قرابته من الإدارة وتخصصه في قضاياها ـ أن يلم إلماما دقيقا بمختلف الأنظمة الإدارية، وبطريقة سير الجهاز الإداري بأكمله، فأصبح يرسم الإدارة الطريق الذي يجب أن تسير عليه، القواعد التي ينبغي أن تتبعها في سيرها.

والحقيقة أن نظام القضاء الإداري، هو وليد البيئة والعقلية الفرنسية ن وهو إلى جانب أنه يستند أيضا إلى ظروف ومبررات تاريخية خاصة بالبيئة الفرنسية التي ولد فيها وترعرع، لا مجال لتفصيلها في هذا البحث.

على أنه بالرغم من الأصل الفرنسي لهذا النظام، فقد تأقلم كثير من البلاد التي تقل إليها، وبرهن على صلاحية ذاتية للبقاء والحياة، وتعتبر مصر مثلا من أهم البلاد التي تأقلم فيها هذا النظام وازدهر حتى غدا ركنا هاما من أركان العدالة بها، لا يمكن الاستغناء عنه، بل أنه استطاع في المدة القصيرة التي سلخها من حياته، أن يقر أحكاما ومبادئ ذات شأن كبير.

ولكن القضاء الإداري بالرغم مما سبق، ليس هو النظام الأوحد الذي لا بديل عنه في العالم، ففي مواجهته يقوم نظام آخر له شأنه إلهام، وهو النظام الانجلوسكسوني، المأخوذ به في بلاد كثيرة، كانجلترا، وأمريكا، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا، وجنوب إفريقيا وغيرها، وهذا النظام لا يعرف الامتيازات العديدة، التي تتمتع بها الإدارة في ظل نظام القضاء الإداري، ولا يستسيغ أن تختص الإدارة بنظام قضائي مستقل عن قضاء الأفراد، ولا أن تخضع لأحكام وقواعد خاصة تجعل منها كائنا ممتازا في مواجهة الأفراد، فالإدارة في النظام الأنجلوسكسوني تقاضي أمام القضاء العادي، وتخضع لنفس أحكام القانون العام الذي يخضع له الأفراد كقاعدة عامة.

والآن، وبعد هذا العرض الوجيز لنظامي القضاء الإداري، والقضاء الأنجلوسكسوني يهمنا أن نعرف بأي نظام أخد المشرع المغربي، وهل أخذ بأحد النظامين السابقين، أم ابتدع جديدا في ميدان التنظيم القضائي؟

لا شك أن المغرب في عهد الحماية لم يعرف نظام القضاء الإداري مطلقا، فقد كانت الإدارة في علاقاتها بالمواطنين المغاربة لا تخضع لأي قضاء، ولا تلتزم بأي قانون كقاعدة عامة، أما في علاقاتها بالأجانب فكانت المحاكم المؤسسة بظهير سنة 1912 مختصة بالنظر في المنازعات الإدارية التي ترفع إليها، وكانت تملك الحكم بالتعويض عن الأضرار، التي تسببها الإدارة لأفراد بسبب قراراتها أو أعمالها غير المشروعة، ولكن هذه المحاكم لم تكن محاكم إدارية وإنما محاكم عادية.

ولما استقل المغرب، وأصبحت يد المشروع المغربي طليقة من كل قيد ن استحدث جديدا في ميدان التنظيم القضائي، وانشأ جهازا كاملا للقضاء وضع على رأسه محكمة عليا للنقض والإبرام، واعترف ـ لأول مرة ـ للقضاء بحق إلغاء قرارات الإدارة غير المشروعة وجعل من المحكمة العليا رقيبا على تصرفات الإدارة، بعد أن انشأ بها غرفة خاصة بنظر الطعون في القرارات الإدارية، فتحقق بذلك للقضاء ما كان يصبو إليه من نفوذ واسع وسلطان كبير، لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم.

غير أن الطريقة التي فرض بها المشرع رقابة القضاء لمشروعية أعمال الإدارة، لا تخلو ـ مع ذلك ـ من عيوب وغموض، فهو قد أناط هذه الرقابة بالمحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت