فهرس الكتاب

الصفحة 685 من 5287

العليا وحدها، ورفض أن يعترف بها لغيرها من المحاكم الأدنى منها درجة، فجعل بذلك من المحكمة العليا، مزيجا من محكمة النقض ومحكمة القضاء الإداري، الأمر الذي أثار الشكوك والالتباس حول طبيعة النظام الذي قصد الأخذ به، كما سنرى من الملاحظات الآتية:

1)ولعل أول ما يلاحظ بهذا الصدد أن اختصاص المحكمة العليا بالقضايا الإدارية ابتدائي وانتهائي معا، بمعنى أنها محكمة أول وآخر درجة، فهي محكمة أول درجة، لان الطعن في القرار الإداري، يطرح أمامها لتحكم فيه ابتداء، وهذا مفهوم من الفصلين (الأول) و (الرابع عشر) من ظهير 27 سبتمبر 1957: وهي كذلك محكمة آخر درجة لأن حكمها نهائي لا معقب عليه: وفي هذا، تبدو محكمة النقض كما لو كانت محكمة إدارية لا تقبل أحكامها التعقيب، والفرق واضح بين اختصاصها في المسائل الإدارية، بين اختصاصها في المسائل المدنية والجنائية والشرعية، إذ في الحالة الأخيرة لا تتدخل المحكمة ابتداء، وإنما ترفع إليها أحكام المحاكم الأدنى درجة لتقول فيها القول الفصل.

2)والملاحظة الثانية: أن المحكمة العليا حين تتصدى لنظر الطعون في القرارات الإدارية المرفوعة إليها، تفعل ذلك، كما لو كانت محكمة الوقائع والقانون معا، إذ يتعين عليها وهي تبحث في مشروعية القرار الإداري المطعون فيه، أن تتحرى عن الأسباب والبواعث التي حدت بالإدارة إلى إصدار القرار، وعن الظروف والملابسات التي تمخضت عنه لتتأكد مما إذا كان كل ذلك قد تم وفقا للقانون أو خلافا له ن ومعنى ذلك، أن رقابتها لمشروعية القرار الإداري، رقابة كاملة تنسحب على القانون والواقع معا، على عكس رقابتها لأحكام المحاكم، التي تتناول الناحية القانونية وحدها دون أن تتطرق إلى الوقائع كقاعدة عامة.

3)والملاحظة الثالثة: أن ظهير 27 سبتمبر 1957 نص في الفصل الأول على اختصاص المحكمة العليا بالنظر في طلبات إلغاء القرارات الصادرة من السلطات الإدارية بدعوى الشطط في استعمال السلطة، وهذا النص ينطوي على قاعدتين هامتين:

أ ـ اختصاص المحكمة برقابة جميع القرارات الإدارية، إذ ذكر الظهير (المقررات التي تصدرها السلطات الإدارية) في عبارة عامة مجملة تحمل معنى الإطلاق، فأي قرار تصدره السلطات الإدارية ـ بحسب هذا النص ـ يكون من حق المحكمة العليا الفصل في مشروعيته متى طعن فيه أمامها، سواء كان القرار فرديا أو تنظيميا، وأيا كانت صفة المتظلم منه، موظفا أو غير موظف، تربطه بالإدارة علاقة أو لا تربطه بها أية علاقة، ما دامت له مصلحة شخصية ومباشرة في طلب إلغائه، وما دام ليس في إمكانه سلوك طريقة قضائية أخرى للحصول على ما يطالب به، ولا يستثني من ذلك إلا القرارات المتعلقة بأعمال السيادة أو الأعمال الحكومية فتلك القرارات ـ وإن لم ينص المشرع على استثنائها صراحة ـ لا يمكن تصور قبول المشرع امتداد رقابة القضاء إليها بمجرد سكوته عنها، خاصة وأن القضاء الإداري المقارن مجمع على أن تلك القرارات تخرج بطبيعتها عن نطاق اختصاصه، لما لها من صبغة خاصة لا تقبل المنازعة أمام القضاء: أما فيما عدا ذلك فإن جميع القرارات التي تصدرها السلطات الإدارية، تخضع لرقابة المحكمة العليا، إلا ما سحب منها بنص خاص.

ب ـ رقابة مشروعية القرار من جميع وجوهه: فرقابة المحكمة العليا لسلامة القرار الإداري، تنصب على جميع العيوب التي يمكن أن تشوبه، كعيب عدم الاختصاص أو مخالفة القانون، أو الشكل، أو الانحراف، وهذا المفهوم من الفصل الثالث عشر من الظهير السابق الذي ينص على أن طلبات نقض الأحكام المعروضة على المحكمة العليا، يجب أن تكون مبينة على أحد الأسباب الآتية:

1)خرق القانون الداخلي، أو قانون أجنبي خاص بالأحوال الشخصية.

2)عدم الاختصاص

3)خرق القواعد الجوهرية للمرافعات

4)الشطط في استعمال السلطة

5)عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني، أو عدم وجود الموجبات.

فهذه الأسباب التي فصلها النص، تتناول الاختصاص، والشكل، ومخالفة القانون، وإساءة استعمال السلطة، وهي عيوب يمكن أن تحلق القرار الإداري، كما يمكن أن تحلق الحكم القضائي، وقد ذكرها النص مجملة، دون تخصيص، ولكنها مفهومة.

والملاحظة الرابعة: أن الظهير المؤسس للمحكمة العليا، قرر اختصاصها بالنظر في الطعون ضد القرارات الإدارية، ولكنه سكت عن ذكر القواعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت