فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الموضوعية التي تعين على المحكمة أن تطبقها على المنازعات الإدارية بين الإدارة والأفراد، فهل ستلجأ المحكمة إلى القانون الخاص لتغترف منه من الأحكام ما يناسب الحالة المعروضة عليها، أم أنها ستلجأ إلى الاجتهاد الحر غير المقيد، لتبتدع من المبادئ والقواعد ما يتراءى لها، كما يفعل القضاء الإداري عموما؟
وهذه الملاحظات يمكن أن تثير التساؤل حول طبيعة اختصاص المحكمة العليا بعد أن أخذ من هذا القضاء أهم خصائصه ومميزاته الموضوعية وأضافها للمحكمة، تفاديا لما عساه أن ينشأ من مشاكل تنازع الاختصاص التي تنشأ عادة من وجود نظامين قضائيين مختلفين (القضاء العادي والقضاء الإداري) داخل دولة واحدة؟
وأيا ما كان الأمر، فإن مسلك المشرع المغربي يثير الشكوك حول طبيعة النظام التي قصد الأخذ به: فهو قد استبعد نظام القضاء الإداري من حيث الإطار العام ـ أي من حيث التنظيم الشكلي ـ لأنه لم ينشئ مجلسا للدولة ولا محاكم إدارية، كما في فرنسا ومصر مثلا، وهو في الوقت عينه قد استبعد النظام الأنجلوسكسوني من حيث أنه لم يعترف للقضاء العادي كله بحق رقابة أعمال الإدارية، ولم يعط الأفراد حق التظلم من القرارات الإدارية أمام محاكم السداد، والمحاكم الإقليمية، ولكنه قصر هذا على المحكمة العليا، فلو أنه أعطى المحاكم العادية في مختلف درجاتها، حق رقابة أعمال الإدارة وجعل أحكامها قابلة للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، لكان قد اتفق مع النظام الأنجلوسكسوني، على الأقل من حيث توزيع الاختصاص، بل أنه لو كان قد انشأ محاكم إدارية مستقلة عن القضاء العادي، ثم جعل أحكامها قابلة للنقض أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا، لكان قد ابتدع جديدا وأتى يثيرها ازدواج القضاء ن وخاصة تنازع الاختصاص بين المحكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا كما فير فرنسا مثلا.
ولعل مما يزيد مسلك المشروع المغربي غرابة وشذوذا، أن ظهير 27 سبتمبر 1957 بعد أن نص في الفصل السابع عشر منه على اختصاص الغرفة الإدارية (أولا) بمطالب النقض المرفوعة ضد الأحكام القضائية الصادرة في القضايا التي يكون أحد الخصوم فيها شخصا عموميا (ثانيا) طلبات الإلغاء الموجهة ضد مقررات السلطة الإدارية بسبب الشطط في استعمال السلطة، أردف يقول (علة أنه يصح أن تبحث وتحكم كل غرفة في القضايا المعروضة على المحكمة أيا كان نوعها) وبذلك أصبح الاختصاص بالطعون في القرارات الإدارية شائعا بين جميع غرف المحكمة العليا.
وجملة القول، فإن المشرع المغربي لم يأخذ بنظام القضاء الإداري، ولا بنظام القضاء الأنجلوسكسوني، ولكنه أعطى مع ذلك المحكمة العليا معظم اختصاصات القضاء الإداري وسكت عن ذكر مصدر القواعد والأحكام الموضوعية التي ستطبقها المحكمة العليا على المنازعات الإدارية، ليتيح لها فرصة الابتكار والابتداع كما يفعل القضاء الإداري عادة.
ونحن نعتقد أن المشرع المغربي كان يحسن صنعا لو أخذ بنظام القضاء الإداري شكلا وموضوعا، وانشأ محاكم إدارية على غرار المحاكم الإدارية الفرنسية و المصرية، لأن الإدارة المغربية أشد حاجة من غيرها لإلى قضاء إداري ينير لها السبيل، ويضع لها القواعد والضوابط، التي يجب أن تسير عليها، ويرفع عن الناس أخطاءها وأوزارها.
وقد يلتمس للمشرع بعض الغذر في انصرافه عن الأخذ بنظام القضاء الإداري إذا كان ذلك مرجعه عدم توافر العناصر الفنية الكافية، لإقامة دعائم هذا النظام في المغرب، ولكن ـ بالرغم من ذلك ـ فإن الطريقة التي عالج بها اختصاص القضاء برقابة مشروعية القرارات الإدارية معيبة وغير مجدية، فيكفي أن نتصور العدد الهائل من الطعون في القرارات الإدارية، الذي سوف ينهال على المحكمة العليا لنتأكد بأنها ستنوء حتما تحت عبئه الثقيل، وقد دلت الإحصاءات في البلاد التي تأخذ بنظام القضاء الإداري، على أن عدد القضايا التي ينظرها هذا القضاء، قد يعادل أحيانا مجموع القضايا التى ينظرها القضاء العادي، فإذا علمنا أن القضاء العادي يملك عشرات المحاكم لمواجهة ما يرد عليه من منازعات الأفراد وخصوماتهم، ولا يصل من هذه المنازعات والخصومات إلى محكمة النقض إلا نسبة قليلة بسبب تعدد درجات التقاضي، بينما لا يوجد إلا محكمة واحدة ـ بل دائرة واحدة ـ للفصل في جميع المنازعات الإدارية، تأكد لدينا أن رقابة اسمية غير فعالة.