فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بساطته الأولى، وهذه المرحلة قديمة شارك فيها علماء سابقون في كل العصور الإسلامية، ولقد ظهرت الحاجة إليها منذ أن اتسع انتشار الإسلام وغزا بلادا كانت لها طقوس دينية وحضارات سابقة على دخول الإسلام، فكان طبيعيا أن تطفو آثار من هذا الماضي وتلبس حلة إسلامية لتسير سيرا علنيا أو شرعيا بين الجماهير، وكان طبيعيا أن يتجرد عدد من العلماء لنزع هذا الزي المزيف، ليحذروا الناس من لابسه، ولقد ساهم المغرب قديما في هذا كله، وساهم فيه حديثا مساهمة قوية منذ أن ظهرت الحركة الوهابية في المشرق، ولقد كنا قبل أن نجيء إلى المغرب، وقبل أن نعرف تفاصيل التاريخ المغربي الحديث، ونعجب لحماسة المغاربة في محاربة مثل هذه البدع أو التقاليد حماسة ننسبها إلى الغلو في المحافظة أحيانا، فلما وضح لنا الدور السيء الذي قام به أصحاب البدع في الناحية السياسية والاجتماعية، وعذرنا القوم.
أما الخطوة الثانية في التجديد فقد اتجهت إلى الملائمة بين الدين وبين الحياة العصرية التي غزت العالم الإسلامي منذ اتصاله بالحضارة الأوربية، وإلى إقناع الناس بأن حقائق الدين لا تتعارض مع حقائق العلم واكتشافاته، وإلى مقاومة النزعات الإلحادية برفع الشكوك ودحض الشبهات، وقد تمثلت هذه الدعوة في الشيخ محمد عبده وتلامذته، وربما تجاوزت هذه الدعوة حدود الملائمة إلى محاولة اكتشاف حلول إسلامية لمشاكل كبرى يتخبط فيها العالم كله، تحت هذا تفاصيل لا يتسع المجال للخوض فيها.
وعلى هذا الضوء ننظر إلى مقالة الأستاذ محجوب بن ميلاد عن الندوة الدولية للإسلاميات، لقد ذكر الأستاذ الكاتب المواضيع العشرة التي قرر المؤتمر النظر فيها، وعلى رأسها إمكان مساهمة الإسلام في إقرار السلام العالمي، ثم شفع الكاتب ذلك بقوله (وهي هي المواضيع التي حررت في شأنها ألف صفحة ألقيتها محاضرات بمذياع تونس، ونشرت القليل منها في تحريك السكون) وأعقب ذلك نص طويل من مقدمة المحاضرة التي ألقاها الأستاذ بالندوة، لا نخرج منها برأي في مشكلة من مشكلات المؤتمر، وذروة ما وصل إليه الكاتب فيها هو أنه أكد للمؤتمرين أنه شديد الإيمان جدا بما أسماه (الفكرة التحية) التي تهدم وتبني، والتي تنقض انتقاض الإعصار وتنطلق انطلاق السهم، على حد تعبير الكاتب، ثم يؤكد للمؤتمرين ثانيا أن ضالتهم المنشودة يجب أن تكون فكرة من هذا الجنس إن أرادوا لمؤتمرهم نجاحا، فهل وصل المؤتمر إلى اكتشاف هذه الفكرة الحية التي ينتظرها الأستاذ، كلا. وإذن فالمؤتمر في نظره قد أخفق، والمسئول عن إخفاقه هم فلان وفلان من علماء المسلمين، ولو أن الأستاذ محجوب بن ميلاد راجع نفسه لاتضح له خطأ ما طلبه من المؤتمر، فالمسألة فيما يتصل بالتجديد الديني ليست في اكتشاف (فكرة حية) كانت مجهولة أو في عمل (ابتكار طريف) ينقص انقضاض الإعصار وينطلق انطلاق السهم، وإنما هذا شأن علماء الفيزياء أو علماء الطبيعة حين يكتشفون الكهرباء أو يطلقون الصواريخ، وإلا فهل وصل الكاتب نفسه، وقد افتخر بأنه كتب ألف صفحة في هذه المواضيع، إلى هذه الفكرة الحية التي يتحدث عنها، وهل يدلنا على أحد من تلامذة محمد إقبال ـ وقد تحدث عنهم بإعجاب شديد ـ وصل إلى (الفكرة الحية) التي وصفها؟.
القضية ليست كما قلنا ابتكارا أو اكتشافا يقوم به أصحاب الاجتهاد، وإنما هو إصلاح اجتماعي وخلقي وبناء اقتصادي وسياسي تشارك الأمة كلها بما فيهم (العوام وأشباه العوام) الذين نفاهم الكاتب من ميدان ابتكاره الطريف، ودور المفكر الديني هو المشاركة بتحريض المتخلفين على السير، وتخفيف حدة المتعصبين وتوجيه العناية إلى اللباب دون القشور، ونشر التسامح، وأشعار الناس بمسؤولياتهم، وإلى غير ذلك من أمور ترقى بالمجتمع، وهو العمل الشاق الطويل الذي قام به حتى اليوم تلامذة محمد إقبال أيضا، والقصد هو مواصلة السير، وأن يكون علماء الدين من ناحيتهم مشاركين في سير مجتمعاتنا الناهضة، غير متخلفين عن الركب، يحببون الشبان في الإسلام، ويجعلون من أنفسهم نماذج يهتدي بهم الناس.