فهرس الكتاب

الصفحة 913 من 5287

ويحفظ ملخصاته حفظا، ليتخلص منها بعد حين على أوراق الامتحانات، وأما كتاب غير مدرسي يطلق فيه مؤلفه العنان لعلمه وقلمه، ليفلسف الحوادث، ويحاول أن يسير أغوارها، ويسرف في الاستنتاج والبحث والمقارنة، ويملأ هوامش الصفحات بالمراجع المختلفة. هذا إذا لم يكن الكتاب من نوع الكتب التي تمتزج فيها الحقائق التاريخية بالخيال المجنح .. أو الخيال المريض .. !!

أما في كتاب الأستاذ عبد الكريم غلاب ن فنحن أمام تجربة جديدة، أمام أسلوب في البحث، يتحرى الحقيقة، ويتحرى الأحداث التاريخية ذات الدلالة العميقة والتأثير الكبير على سير الأمور والأحداث، فيبرزها ويدل على مكانتها وأهميتها من غير إسراف أو تقصير، وأمام أسلوب جديد في الصياغة، لا يلقي إلى الطالب أو القارئ بالملخصات أو «القواعد» التاريخية من أعلى، وإنما يتحدث إليه كما يتحدث الإنسان إلى الإنسان، ويأخذ بيده برفق ليكتشفها معا المناطق المجهولة، وليقفا معا قليلا على ما ينبغي الوقوف عنده من التصرفات والأقوال والأعمال.

ولعل أصعب أسلوب في الكتابة على الإطلاق هو هذا الأسلوب الوسط بين أسلوب «القواعد» وأسلوب البحث المنهجي، أو الكتابة الفنية الحرة التي لا يتقيد فيها الكاتب بأي قيد.

وقد عرف الأستاذ عبد الكريم غلاب ببراعة كيف يختار أسلوبه، فجاء كتابه بحيث لا يغني عنه غيره أو يسد مسده.

ويزيد في قيمة الكتاب أنه يربط في ذهن الطالب بين المعلومات التاريخية وبين بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الواردة في موضوعها، وذلك كالمثال التالي:

يتحدث المؤلف في فصل من فصول كتابه عن غزوة بدر والخندق وغيرهما من الغزوات النبوية، ويختم الفصل بعدة تمرينات وتطبيقات منها هذا السؤال:

قال تعالى:

«ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون» .

«يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا» .

تشير الآيتان الكريمتان إلى حادثتين في تاريخ الإسلام فما هما؟

وهكذا يعرف الطالب أو القارئ تاريخ الإسلام مرتبطا بكتاب الإسلام، وبأقوال نبيه، وبأقوال أبطاله الذين نصروه ودافعوا عنه بأموالهم وأرواحهم.

وميزة أخرى، وهي أن الأستاذ غلاب دأب في كتابه على أن يختم كل موضوع بفصل أدبي بثقله عن أحد أعلام الكتاب العرب أو الأجانب، فيلتقي الطالب في كتابه «تاريخ الإسلام» بالكاتب الفرنسي (غوستاف لويون) في كتابه «حضارة العرب» وبالدكتور طه حسين في كتابه «علي هامش السيرة» وبالدكتور حسين هيكل في كتابه «حياة محمد» وبالأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية محمد» وغيرهم ... وغيرهم وبذلك يستفيد الطالب علما وأدبا، ويتطلع إلى المزيد من المعرفة.

نهنئ الأستاذ عبد الكريم غلاب، وتتمنى لكتابه ما هو خليق به من التقدير والاعتبار، ونحن في انتظار مجموعة قصصه الوطنية والاجتماعية التي أعلنت عنها (دار السلمي) التي تولت نشر الكتاب، على صفحة الغلاف الأخير منه: «مات قرير العين» .

عبد القادر الصحراوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت