فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 5287

لم تتعرض إليها الأحكام الفقهية القديمة. وحجيتهما في ذلك أن المسلمين الأولين قد فعلوا هذا، فلماذا لا يفعله المسلمون العصريون؟ لماذا نجعل من الإسلام ـ وهو دين التسامح والحرية ـ دين تعصب واستعباد؟ إن الإسلام قد توافق مع الثقافة اليونانية فلماذا لا يتوافق مع الثقافة الأوروبية؟

ومن الطبيعي آن الأزهر رفع عقيرته بالصباح أمام هذه الجرأة، فناصبهما العداء. واضطر جمال الدين إلى مغادرة العالم العربي، وأصبحت الحياة شاقة بالنسبة لتلميذه ولكنه مع ذلك تحملها إذ لم تكن تعوزه الشجاعة من جهة، ومن جهة أخرى كان الحكم المطلق في مصر قد أخذ يشرف على نهايته.

في هذه الأثناء اختلطت السياسية بالدعوة الإصلاحية: فاتهم الشيخ محمد عبده وأصدقاؤه بمحالفة المستعمر، وكانت الحجة في ذلك مفارقة الشيخ للأزهر وتوقفه عن متابعة الحركة الإصلاحية التي اضطلع بها!

أما الحركة الثانية فقد اختارت الحقل الاجتماعي ميدانا لها، وكان غرضها تحرير المرأة المسلمة والعمل على أن تسترد حريتها القديمة لتتمتع بها على نحو ما تفعل مثيلاتها الأوروبيات، ولم يكن زعيم هذه الحركة عالما دينيا بل حاكما متخرجا من كلية الحقوق بمونتبولييه Montpellier

على أن تحرير المرأة وإسقاط حجابها، وإخراجها من بيتها لتستطيع المشاركة في الحياة الجماعية متمتعة بنفس الحقوق التي للرجل، لم يكن أمرا سهلا يمكن تقبله في وسط محافظ مثل الوسط المصري عند نهاية القرن الماضي.

وكان من اليسير جدا سبب يربط بين هذه المطالب الاجتماعية وبين الإصلاحات الدينية التي أنادى بها الشيخ محمد عبده، وبذلك سهل اتهام قاسم أمين بالإتحاد بل تجاوزها إلى انتهاك قداسة القرآن. وكان أصحاب هذه التهمة يرددون: ألم يأمر الله نساء النبي بملازمة البيت وعدم الاندماج بالناس كما كان شأن المرأة الجاهلية؟ ألم يحرم الله على كل امرأة مسلمة كشف جمالها ومفاتنها للملأ؟؟

وإذا كانت السنوات الأولى من القرن العشرين قد شهدت الرأي العام المصري مشغولا بمشاكل دينية واجتماعية، فقلد شهدته أيضا مهتما بالمسألة السياسية. والواقع أن مصر لم تسكت قط على الضيم ولم تحتمل الاستعمار البريطاني، فكان رد الفعل في أوائل هذا القرن عنيفا كأشد ما يكون العنف.

ولما كان الإنجليز كغيرهم من الأوروبيين، يرون في الإصلاح الديني الذي أنادى به الشيخ محمد عبده والإصلاح الاجتماعي الذي تزعمه قاسم أمين، مطالب مشروعة، فإن هذين المفكرين الجريئين سرعان ما ألصقت بهما تهمة العمل ضد الحركة التحررية الوطنية واعتبرت إصلاحاتهما ذات تجديد خطير. ولقد فارق الشيخ محمد عبده وقاسم أمين هذه الحياة دون أن يشاهدا انتصار مذهبيهما، ولكنهما تركا إتباعا متحمسين ومصممين العزم على الكفاح من أجل القضية العادلة، الأمر الذي كان من الصعوبة بمكان خاصة خلال سنوات التفاهم بين المستعمرين والخديوي عباس.

وقامت الحرب العالمية الأولى فوضعت حدا لهذه الحالة، وشهدت الحركة الوطنية لسنة 1919 مذاهب تفوق هذين المذهبين في مطالبهما، ولم يعد شباب ما بعد الحرب يطالب بحق الحرية في البحث وإنما أعطى لنفسه هذا الحق، بل ذهب إلى أبعد من هذا فشك في كل القيم القديمة. وكذلك نساء الطبقة البورجوازية لم يعدن متفرجات فقط في المناقشة حول حريتهن، وإنما أبحن لأنفسهن أخذها ونزعن الحجاب، وغادرن البيوت، وشاركن إلى جانب الرجل في المظاهرات ضد الإنجليز وطالبن بنصيبهن من الخطر في المعركة ..

وأصبحت حرية التفكير والتعبير، وحرية المرأة شيئا معترفا به لا ينكره أحد، يشجع عليه زعماء الثورة، ويتقبله الأزهريون الذين شاركوا بدورهم في الحركة الوطنية، وبلغ منت تقبل الأزهريين لهذه الأفكار إنهم أخذوا يعتبرون من يعارض مذهب الشيخ محمد عبده وقاسم أمين من بيتهم، ومحافظا وأحيانا ينظرون إليه كرجعي.

وانضافت إلى هذه الحركة حادثتان توجها هذا التقدم نحو استقلال الفكر في مصر خلال هذه السنوات الخصبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت