فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كانت أولاهما ظهور كتاب علي بعد الرزاق حول الخلافة (1) حيث حاول الكاتب أن يبرهن على أن هذه السنة كانت لا تنتمي إلى الدين في شيء، إذا لم ينص عليها لا في القرآن ولا في الحديث، كما أن النبي نفسه لم يعين خليفة يتولى أمور المسلمين من بعده. وكان من سوء حظ هذا الكتاب أنه ظهر في فترة رد فعل سياسي ضد الدستور الديمقراطي، فعمدت السلطات العامة إلى تحريك شيوخ الأزهر ضد الكاتب، وبما أنه متخرج من الجامعة العتيقة فقد أصدر عليه زملاؤه حكما يدينونه فيه وعزل من منصبه كقاضي ديني ... ورغم ذلك فقد كسب شعبية واسعة النطاق وحظي بالتأييد في قضيته، وكان تأييدا شاملا من كل المصريين بما فيهم الأغلبية العظمى من الأزهريين أنفسهم!
وفيما عدى ذلك، فإن الكتاب لم يتعرض لأذى، ولقد مضيت عشرون سنة على صدور كتابه ولم يعد هناك اليوم من يؤمن بان الخلافة تشريع ديني حتى بين هؤلاء الذين أدانوا علي الرازق فيما مضى، وهو اليوم عضو في مجلس الشيوخ وأخوه يشغل منصب شيخ جامعة الأزهر.
أما الحادثة الثانية فهي صدور كتابي «في الشعر الجاهلي» حيث أنكرت صحة جزء أنكرت صحة جزء كبير من هذا الشعر، وذلك لسبب بسيط وهو أن كل ما كان جاهليا قد وصل إلينا مشافهة .. وأيضا لأن الأبيات التي تنسب إلى شاعرا وآخر من شعراء الجاهلية، تنطبق ألفاظها تمام المطابقة على ألفاظ القرآن، هذه الألفاظ التي تحول شرحها والتدليل على أصالتها بالرجوع إلى نصوص القرآن ...
وإذن فقد توصلت إلى إنكار جزء واسع من هذا الشعر المنتحل ـ في اعتقادي ـ أثناء القرن الثاني لأسباب مختلفة. وبنفس المنهاج أخضعت للشك ـ دون أن أمس الدين ـ بعض المعتقدات التي ورد ذكرها القرآن وأحاديث الرسول.
وكان لهذا الآراء وقع عنيف فأصبح الاستنكار عاما، واحتج الأزهريون وأساتذة المدارس احتجاجا قويا، ووصل تأثير هذه الحملة إلى السلطات العامة، فوصلت القضية إلى البرلمان، وكان مقدموها يطالبون بعزل الكاتب بل بإلغاء كرسي الأدب العربي الذي كان يشغله في الجامعة المصرية ... غير أن وزير التعليم إذ ذاك علي الشامي باشا، نظر على القضية على أنها تخص حرية الفكر؟ كما أن رئيس المجلس عدلي يكن باشا طالب مجلس الوزراء بالثقة ... ولكي تتلاقى أزمة وزارية فقد أحيلت القضية إلى النيابة العامة التي أمرت بتقييدها بعد أن أجرت البحث وجمعت بين الكتاب ممثلي الأزهر وسجلت أقولهم وهاتان الحادثتان ـ إلى الأبد ـ انتصار حرية التفكير في العالم الإسلامي. ولم يكن هذا الانتصار انتصارا على الدولة فحسب وإنما كانت أهميته الكبرى في انتصاره على الرأي العام أيضا.
وفيما عدا ما تقدم لم يلتحق الكاتبين سوء، وكانت النتيجة أن أصبح كتاباهما كلاسيكيين، وأصبحت قداسة الخلافة وصحة الشعر الجاهلي ضمن الخرافات ... ويضاف إلى هذه النتائج أن اللغة العربية التي كانت من قبل بمنجى من كل نقد وينظر إليها على أنها شيء مقدس، وأصبح ينظر إليها ابتداء من هذا التاريخ على أنها لا تدخل في الدين، وأصبحت رهن إشارة الذين يتكلمونها.
وتوالت ردود الفعل السياسية في العالم العربي، فلم يعد هناك خطر يتهدد حرية الشؤون الفكرية، وكمثل على ذلك أن الحكومة المصرية سنة 1933 في الفترة التي كان رد الفعل السياسي في أوجه، حاولت ـ بطلب من الأزهرـ أن تمنع نشر كتاب تاريخي قديم بحجة أن الإمام أبا حنيفة قد أسئ ذكره في هذا الكتاب ... ولكن محاولة الحكومة لن تتم، وكان الرأي العام أقوى من الحكومة والأزهر مجتمعين!
وإلى هذا الحد كان الصراع محتدما بين الحركة التحريرية العصرية وبين الحركة التقليدية الدينية، وقد رأينا بأن الغلبة كانت للحركة الأولى. إلا أنه بعد أن حالف النصر الحركة التحريرية أخذت ملامح اتجاه جديد في الظهور، وكان هذا الاتجاه يظهر غريبا، ولكنه في حقيقة الأمر جد طبيعي.
ففي الواقع لم يكن هناك فصل بين التجديد والإسلام، وإنما الواقع لم يكن هناك فصل بين التجديد والإسلام، وإنما كانت المطلق السياسي الديني إن صح هذا التعبير.
(1) عنوان الكتاب: الإسلام وأصول الحكم، بحث في أصول الخلافة والحكم في الإسلام. المترجم