فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 5287

فعندما اطمأن المجددون على حقهم في عرض أفكارهم بكل حرية، توقفوا فترة من الزمن ثم استأنفوا الطريق فاخذوا يعيدون التفكير في التاريخ الإسلامي القديم .. فعلوا ذلك رجالا أحرارا منعتقين من كل قيد. ومن هذا العمل نشأ فيما بين 1933 و1946 أدب مستقل مستوحى من الدين.

ويتحتم أن يعرف بأن كتابيين فرنسيين كأنا بمثابة الشرارتين اللتين أشعلتا موقدين مختلفين: أحد الكتابين لجيل لوميتر Jules Lemaitre وعنوانه «على هامش الكتب القديمة» (1) والثاني «حياة محمد» لأميل درمنكيم Emile Dermenghem وقد قدم حسين هيكل عرضا للكتاب الأخير، دفعه فيما بعد إلى أن يدرس بنفسه حياة الرسول وينشر نتائج هذه الدراسة في كتابه: «حياة محمد» استعرض فيه بإسهاب حياة الرسول في مجلد ضخم يحوي كل التفاصيل مصوغة بعقل مجدد. وقد أراد حسبن هيكل أن يخضع تاريخ هذه الفترات البطولية إلى دقة المزاج العلمي، فناقش كل المسائل وحللها، غير أن النظرة الدينية التقليدية كانت تنتصر دائما .. ولعله نسى أن بعض الأحداث لا يمكن إخضاعها لدقة العلم وذلك مثل البرهنة على إسماعيل ـ وليس إسحاق ـ هو الذي تعرض لإخبار التضحية، وأيضا التدليل علميا على إمكانية سفر الرسول من مكة إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ورجوعه ... إلخ، فكل هذا يتعلق بالإيمان ولا يخضع للعقل.

وقد طبق حسين هيكل في كتابه منهاج جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الذين كانا يريدان ـ بأية طريقة ـ ربط الإيمان الإسلامي بالعلم والحضارة. وهذا الكتاب لقي رواجا واسعا في كل العالم العربي سواء بين ذوي الثقافة العالية أو بين الجماهير العامة، الأمر الذي يدل على أن الشعوب الإسلامية كانت تطمح حقيقة إلى التجديد ولكن دون أن تقطع صلتها بالتراث القديم. وقد تشجع هيكل بما لقيه من نجاح، فواصل عمله ونشر تباعا: حياة الخليفة الأول أبو بكر في جزء واحد، وحياة الخليفة الثاني عمر في جزءين، وهو بصدد كتابه حياة الخليفة الثالث عثمان. وقد تجاوز طموحه الآن تاريخ الإسلام واتجه إلى تاريخ المسلمين متبعا دائما نفس المناهج التعليلي، لا قيا نفس النجاح ولكن مع بعض التحفظات ـ تقل وتكثر ـ من طرف العلماء والمؤرخين المحترفين.

وفي سنة 1940 نهج نهجه عباس محمود العقاد الذي ألف سلسلة دراسات تحت عنوان عبقريات ظهرت منها: عبقرية محمد، عبقرية أبي بكر، عبقرية عمر، وعبقرية خالد بن الوليد، وعبقرية مؤذن الرسول بلال، وعبقرية علي. وهناك أيضا كتاب عن عائشة وعن الشهيد الأكبر الحسين بن علي ... والعقاد فيما كتبه لم يتبع هيكل ولم يقصد إلى التاريخ أو الأدب الخالص وإنما هو في الواقع يسجل خواطره التي كثيرا ما يغلب عليها الطابع الفلسفي على نحو ما فعله كارل يل .. ولم يكن نجاح العقاد بأقل من نجاح زميله.

أما فيما يتعلق بكتاب جيل لوميتر فإنني بعد أن شغفت به كثيرا وضعت على نفسي الأسئلة التالية: هل يمكن إعادة كتابة مآثر الفترة البطولية من تاريخ الإسلام في أسلوب جديد أن أنه يتعذر ذلك؟؟ وهل تصلح اللغة العربية الحديثة لإحياء هذه المآثر؟

لقد حاولت أن أقصي بعض الأساطير المتصلة بالفترة التي سبقت ظهور النبي، ثم فصصت مولده وطفولته ونشرت هذه السلسلة من القصص تحت عنوان مقتبس من جيل لوميتر وهو: على هامش السيرة. وهذا الكتاب من عمل المخلية، اعتمدت فيه على جوهر بعض الأساطير لم أعطيت لنفسي حرية كبيرة في أن أرشح الأحداث واختراع الإطار الذي يتحدث عن قرب إلى العقول الحديثة مع احتفاظه بالطابع القديم. وقد لقي الجزء الأول من هذا الكتاب ترحيبا حارا فأرفته بجزء ثان ثم بجزء ثالث.

وأنا لم أقصد فيما كتبت إلى سرد التاريخ أو التدليل على اقتراح ديني، وإنما صببت اهتمامي خاصة على إظهار الجوانب البطولية لهذه الفترة الخصبة، وبذلك خاطبت قلوب المسلمين المتعطشين إلى المثل العليا، المرتبطين ـ في نفس الوقت ـ بماضيهم المجيد.

وقد أدلى توفيق الحكيم يدلوه في هذا المضمار .. ولم يكن ما كتبه عمل خيال لأنه لم يخترع شيئا، ولا عمل تاريخ لأنه لم يدرس شيئا، وإنما قام بسبك مراحل حياة الرسول في حوار متبعا طريقته المفضلة في التعبير ...

وكل هذا الأدب المستمد من مصدر ديني، يصادف تقديرا كبيرا من العالم العربي. وكل كتاب من هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت