فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 5287

عن دلالات الأسماء وتأثير معانيها في أخلاق المرء وعاداته، من هذه المذاهب قول بعضهم أن للأسماء خصائص لابد أن تظهر في شخصيات أصحابها، ولا علاقة لهذه الخصائص بمعاني تلك الأسماء ودلالاتها بل هي منوطة بتلك الأسماء على سبيل المصادفة والاتفاق، سمعنا من أحد القائمين بهذا المذهب أن اسم (محمد علي) ـ مثلا ـ من خصائصه النباهة وعلو المنزلة، فكل من سمي محمد على لابد أن يكون بارزا في بيئته أو مجتمعه منزلة ونباهة وساق لتأييد مذهبه هذا أمثله من محمد علي جناح، زعيم باكستان الأول، قائد حركتها ومؤسس دولتها، ومحمد علي جناح، زعيم باكستان الأول، قائد حركتها ومؤسس دولتها، ومحمد علي بوجرا رئيس وزراء باكستان سابقا وسفير باكستان في أمريكا حالا، والتشودري محمد علي الذي كان رئيس الوزراء يومذاك وهو اليوم رئيس حزب سياسي، وأضاف على هذه الأمثلة الوطنية أمثلة من خارج باكستان فذكر محمد علي علوبة باشا أول سفراء مصر لدى باكستان، ومحمد علي الزعيم الهندي الأكبر إبان حركة الخلافة في الهند، الذي مات ودفن بالقدس فرناه شوقي أبلغ رثاء. قال أمثلة خمسة من المدعوين باسم محمد علي. ما منهم إلا من تسامى إلى عليا منازل الشرف وذيوع الصيت، حتى أصبح رئيسا لوزارة أو زعيما لأمة أو سفيرا لدولة، وكل ذلك بفضل خصائص هذا الاسم، هنالك سأله بعض من حضر المجلس: وما قولك يا أستاذ في الكثرة الكاثرة من أصحاب هذا الاسم الذين نشأوا في الطبقات المتوسطة أو الفقيرة من المجتمع ابن نباهتهم وعلو منزلتهم؟ قال: لابد أن يكونوا بارزين على غيرهم سمعة ونباهة في بيئتهم المحدودة التي هم فيها، فأرجعوا إلى بيئاتهم وابحثوا عن أحوالهم يتحقق لكم الأمر، وجاء جوابه بالغا من السخافة بحيث أضحك جميع السامعين.

والمذهب الآخر الذي يماثله في السخافة والاضطراب قولهم بأن لمعاني الأسماء تأثيرا في أخلاق المتسمين بها ضربة لازب، وهذا المذهب يقتضي أن يكون كل (محمود) في هذه الدنيا طيب السيرة ممدوحا لدي الناس، وكل (جميل) صاحب جمال ووسامة وكل (أمين) رجل أمانة ونزاهة، وهذا يكذبه الواقع في حياتنا أغلط التكذيب. ولو كانت صفات الإنسان وأخلاقه تطابق هذه المطابقة الكاملة لمعاني الأسماء ودلالاتها أبدا، لهان والله كثرا عمل المصلحين الأخلاقيين من الأنبياء والصلحاء والمرشدين، وامتلأت الدنيا رشدا وصلاحا وجمالا وكمالا لأن معظم الأسماء التي ما زال يدعى بها بنو آدم في كل زمان ومكان تحوي على معان طيبة مرضية.

ومن الأسماء ما استهدف لكثير من النقد والطعن من هذه الجهة أو تلك، وقد كاد الناقدون أو يضيقوا على صاحبه الخناق لأجله، ولكن كان من صبره ونباته في وجههم ما بدد اعتراضاتهم وأبقى عليه اسمه كما هو. وقد ذكر المغفور له الأستاذ محمد كرد علي في كتابه (المذكرات) : «إن حاول أحد خلص أصدقائي أن يبدل كنيتي (كرد علي) ويستعيض عنها بعلي فقط، وأخذ يقنعني بذلك زمنا، وحجته أن هذا الاسم من الألقاب المرعبة، وإذا أطلق على يؤخذ منه أن صاحب كردي فظ لا يعرف غير السلب والنهب. وكنت أحاجة في هذا المعنى وأريد أن يتفضل علي بكنية أسرتي يطلقها على في الكتاب والخطاب، وأقول له أن في كني الإفرنج والعرب انقل من كنيتي وأخوف منها، وإن في أجدادها الماضين من كانت كنيتهم أوحش وأسمج، مثل ابن بصاقة وابن كدية وابن كتاكت وابن كحينا ... »

وأشد من ذلك وقع للأستاذ الكبير السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان حينما تقدم بدعوته الإسلامية فجاوز مرحلة الفكر والقول إلى الجهد والعمل، فشكل الجماعة الإسلامية ودعا عامة المسلمين وخاصتهم إلى السعي وراء إقامة النظم الإسلامي فانبرى له طائفة من رجال الدين كانوا راضين عنه وهن دعوته ما دامت في حدود القول والفكر، فأخذوا يعيبون شخصيته ودعوته وكل ما يقوم به أعمال، ومما عابوا وأنكروا هو كنيته (أبو الأعلى) بحجة أن الأعلى من أسماء الله تعالى الخاصة، فلا يجوز أن تضاف إليه الأبوة، ويتكنى به مسلم عامي فضلا عن عالم يتصدى للدعوة والإصلاح، وشددوا نكيرهم على هذا الاسم ليسيئوا ظن الناس بالأستاذ وبجماعته، فكانت ضجة ومعمعة، ثم سكنت لأنها لم تكن تستند إلى علم أو برهان، وكانت الآية: وأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين. وحدها كافية في دحض حجتهم الباطلة، ومما لا شك فيه أنه لو تكن هذه الآية في القرآن لأضطر الأستاذ إلى أن يخوض مع منتقديه في معركة حامية الوطيس كانت شغلته عن شؤون الدعوة والإصلاح زمنا طويلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت