فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 5287

لا تكون متناقضة مع عقائده وتعاليمه، ولكن يخيل إلى الناظر في هذه الأسماء أن من ورائها نوعا من النزعة البورجوازية يحمل المرء على أن يجمع له من يزيد على حاجته من أسماء، فالاسم الواحد من مثل (أحمد محمود بكر هلال) (1) لو وجد في القرون الأولى لكان كفى اسما لأربعة أشخاص مختلفين، ولو كان في القرون الوسطى لدل على رجلين على الأقل، ولكنه في هذا العصر لا يشير إلا إلى رجل واحد، فهذا إسراف في الأسماء، وياليت شعري بم يحلل علماء النفس هذه الظاهرة في الأسماء، أهم يردونها إلى شعور بالنقص على النفوس، فيراد تلافيه بالتوسيع في الأسماء وما إليها من المظاهر، أم يردونها إلى طبيعة العصر، ولكل عصر لا شك طبيعة ومزاج لا مندوحة عنه لمن أراد أن يجاريه ويمشي في ركبه.

من تلك المظاهر استعمال الألقاب التركية كثيرا في الأسماء مثل مدحت وعزت وطلعت وبهجت ونشأت مكان الجزء المقدس أو غير المقدس فيها، فيقال أحمد عزت وطلعت وبهجت ونشأت مكان الجزء المقدس أو غير المقدس فيها، فيقال أحمد عزت ومحمد مدحت وبدر نشأت، وكل هذه الأسماء وما لف لفها تدل على روح عصرية في أصحابها.

ومنها الاستكثار من استعمال صيغة النسبة الأسماء كفوزي ووجدي وشكري وفتحي ورمزي وفهمي مع تنكير المنسوب بتجريد من (أل) التعريف على خلاف قواعد النحو، فيقال: أحمد فوزي ومحمد شكري ومحمود رمزي، وكان الوجه ان يقال الفوزي والشكري والرمزي باثبات (ال) التعريف، كما عهدناه في الأسماء القديمة نحو الشريف الرضي وياقوت الحموي وأبي حيان التوحيدي، وتأملنا كثيرا في اجتناب أخواتنا المصريين لأداة التعريف هذه، فلم نعلله إلا بتوخيهم الخفة والسهولة في النطق بالأسماء، وأداة التعريف لاشك تورث الأسماء بعض النقل والاسترخاء، والفرق بين النطق بكامل كيلاني وبكامل الكيلاني ظاهر.

ومن الأسماء العربية في مصر ما هو ذو ثلاثة أجزاء ويأتي جزؤه الثالث الأخير من تلك الأسماء أنه من لوازمها لا من كمالياتها، لأنه يفيد إحدى الفائدتين: اما يدل على المهنة التي عرف بها أسلاف المرء الأقدمين فيكون علما على اسرته ويبين النسب، كما في أحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد ـ على حد تخميننا ـ أو يتضمن معنى ساميا تستخرج منه العزائم والهمم، فيفيد عندئذ فائدة التأثير النفسي كما في عبد الوهاب عزام وعبد الوهاب خلاف، على أن لهذه الأسماء المختتمة بصيغة المبالغة من التناسب والانسجام الصوتي ما يجعلها من أحسن الصيغ للأسماء.

التفاؤل بالأسماء قديم في المجتمع البشري، وقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالأسماء الطيبة المعاني وكره من الأسماء ما يضمن معنى غير مقبول، قال سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي ذهب المخزومي: قدم جدي حزن بن أبي وهب على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: كيف اسمك؟ قال: حزن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل سهل، قال: ما كنت لادع اسما سمتني به أمي، قال سعيد: فأنا لنجد تلك الحزونة في اختلاقنا إلى اليوم، وروى سفيان عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرائه: لا تبردوا بريدا الا حسن الوجه حسن الاسم وروى الرياشي عن الأصمعي قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل على رجل من الأنصار فصاح الرجل بغلاميه: يا سالم وبا يسار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمت لنا الدار في يسر. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا أراد أن يستعين به على عمل عن اسمه واسم أبيه، فقال ظالم بن سراقة، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك، ولم يستعن به في شيء.

وهذا التفاؤل بالأسماء الحسنة والتشاؤم بالأسماء القبيحة أمر معقول لا ينكره العقل السليم، وذلك أن اسما حسنا إذا دعى به رجل ما مرارا متكررة على الأيام والأشهر والسنين فلا يستبعد أن يستقر معناه في وأعينه الباطنة ويغلب على أفكاره، ثم يسرى منها إلى أخلاقه وأعماله، وكذلك إن اسما قبيحا إذا تكرر على سمع مسماه عشرات من المرات في كل يوم، فإنه أدنى أن تهون معانيها عند المرء وتألفها نفسه وتستأنس بها، ومثل هذا التأثير النفسي من مقررات على النفس، ولا نكران لفعله في أفكار الناس وأعمالهم.

(1) اسم مفروض قسناه على غيره من أسماء الأشخاص المعروفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت