فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 5287

المشركين: وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم، فنقل عن المشركين هذا الاسم، ولو لم ينطقوا به لما فعل.

وقول أعشى قيس:

ولا جعل الرحمان بيتك في العلا

باجياد غربي الصفا والمحرم

وقول حاتم الطائي:

كلوا الآن من رزق الاله وايسروا

فإن على الرحمان رزقكم غدا

والسبب الآخر هو كون عبد الرحمان من الأسماء الجديدة على سمع العرب اذ ذاك، وذلك أنا وجدنا عبد الله علما على غير واحد من الجاهليين، ولكن لم نجد فيهم من سمي عبد الرحمان، والمرء مولع أبدا بكل جديد.

هكذا رضي الإسلام لاتباعه اسماء وكره اسماء، راج من ذلك بين المسلمين وضع خاص من الأسماء التزموه على طول القرون، حتى عرفوا به عرف بهم، وذلك أن يكون اسم امرىء منهم مركبا من أجزاء بعضها مقدس والآخر غير مقدس، والجزء المقدس إما يكون اسما من أسماء الله الحسنى، أو يكون كلمة (الدين) أو اسما من أسامي الأنبياء والمرسلين، وخاصة أسماء نبينا العربي محمد صلى الله عليه وسلم، أو أسماء الصحابة والتابعين، التي تقدست بقداسة النفوس الزكية المتسمية بها. ـ ثم يكون هذا الاسم عربيا في جميع أجزائه وذا معنى مفهوم.

وبقي هذا الوضع قائما معمولا به زمنا طويلا، حتى اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية، وشمل الإسلام بلاد العجم، هنالك تغير هذا الوضع قليلا بما سرت الأعجمية في الأسماء التي كانت فيما قبل تكون عربية في جميع أجزائها، فشاعت بيم المسلمين أسماء هي عربية في جزئها المقدس أعجمية في غيره، وهذا في الأمم الأعجمية التي فتحها دين الإسلام، ولم يفتحها لسان العرب، فبقيت لغاتها الأعجمية على حالها كإيران وباكستان والهند واندونيسيا والصين، على أن الهند وباكستان قل فيهما جدا رواج هذه الأسماء المختلطة، ولم ينسم بها فيهما إلا أبناء الطبقات الممعنة في التخلف والجهل، ولعل الحال كذلك في باقي الأقطار الأعجمية، أما الأقطار التي فتحها المسلمون العرب بدينهم وبلغتهم كليهما، كأقطار الشمال الإفريقي، فهناك جاءت اللغات المحلية أو العامية تبسط نفوذها على الأسماء، وأصبحت أسماء المسلمين تتألف من أجزاء حروفها عربية وكلماتها غير عربية، وإذا أردنا بالعربية هذه اللغة الفصحى، ولا نستطيع أن نقول بالضبط متى وكيف ابتدأ هذا التأثير للعامية في الأسماء العربية، ولكنا نعلم أن هذا التأثير باق إلى يومنا، بل هو ـ إن لم نكن مخطئين في التقدير ـ إلى زيارة وانتشار، فان استعرضت اليوم أسماء المسلمين في الجزائر ـ مثلا ـ أو ما حواليها من الأقطار، وجدت معظمها على نحو: كحلة محمد، وجندلي محمد، وتغليسية محمد، ومحمد كسوري، فالجزء المقدس باق على عربيته ولكن الآخر غلبت عليه العامية أو المحلية، فضاقت بذلك معاني الأسماء وعاد فهمها مقصورا على المحليين.

ولم يقف نفوذ اللغات المحلية في الأسماء عند هذا الحد، بل جاوزه إلى أن استولى على الجزء العربي المقدس فيها ومحى آثاره محوا، حتى أصبحت الأسماء أسماء ـ أسماء المسلمين بحقك ـ لا يرى بين أجزائها جزء مقدس ولا جزء عربي فصيح، وأنا نذكر إن كنا نطالع قبل أعوام في بعض الجرائد العربية الصادرة من الجزائر أسماء من أمثال: عمامرة معمر، ورابح عمامرة، ونجار رشد، والمنور مروش، وامساقم السائح، فلا نستدل على كونها أسماء لأبناء المسلمين إلا بأنها وردت في ثبت من الطلبة المتعلقين بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

أما مصر، مثابة العروبة ومركز العربية، فصحب النهضة العلمية والسياسية فيها اتجاه جديد في الأسماء أصبح عنوانا على التقدم والرقي، ومن مظاهر هذا الاتجاه البارزة:

الميل إلى تفخيم الأسماء وجعلها ذات ثلاثة أجزاء، بعد أن كانت تتخذ أكثرها من جزئين في العصور المتوسطة أو من جزء واحد فقط في القرون الأولى، وهذا الميل إلى التطويل في الأسماء أيضا غدا ينمو ويزكو حتى صرنا نطلع أخيرا على أسماء رباعية ذات أربعة أجزاء، ولا شك أن هذه الأسماء الثلاثية أو الرباعية لا مغمز فيها لطاعن من جهة الدين أو الخلق، لأن الدين لا يعنيه طول الأسماء وقصرها، وإنما تهمه معانيها وان المشركين: وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم، فنقل عن المشركين هذا الاسم، ولو لم ينطقوا به لما فعل.

وقول أعشى قيس:

ولا جعل الرحمان بيتك في العلا

باجياد غربي الصفا والمحرم

وقول حاتم الطائي:

كلوا الآن من رزق الاله وايسروا

فإن على الرحمان رزقكم غدا

والسبب الآخر هو كون عبد الرحمان من الأسماء الجديدة على سمع العرب اذ ذاك، وذلك أنا وجدنا عبد الله علما على غير واحد من الجاهليين، ولكن لم نجد فيهم من سمي عبد الرحمان، والمرء مولع أبدا بكل جديد.

هكذا رضي الإسلام لاتباعه اسماء وكره اسماء، راج من ذلك بين المسلمين وضع خاص من الأسماء التزموه على طول القرون، حتى عرفوا به عرف بهم، وذلك أن يكون اسم امرىء منهم مركبا من أجزاء بعضها مقدس والآخر غير مقدس، والجزء المقدس إما يكون اسما من أسماء الله الحسنى، أو يكون كلمة (الدين) أو اسما من أسامي الأنبياء والمرسلين، وخاصة أسماء نبينا العربي محمد صلى الله عليه وسلم، أو أسماء الصحابة والتابعين، التي تقدست بقداسة النفوس الزكية المتسمية بها. ـ ثم يكون هذا الاسم عربيا في جميع أجزائه وذا معنى مفهوم.

وبقي هذا الوضع قائما معمولا به زمنا طويلا، حتى اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية، وشمل الإسلام بلاد العجم، هنالك تغير هذا الوضع قليلا بما سرت الأعجمية في الأسماء التي كانت فيما قبل تكون عربية في جميع أجزائها، فشاعت بيم المسلمين أسماء هي عربية في جزئها المقدس أعجمية في غيره، وهذا في الأمم الأعجمية التي فتحها دين الإسلام، ولم يفتحها لسان العرب، فبقيت لغاتها الأعجمية على حالها كإيران وباكستان والهند واندونيسيا والصين، على أن الهند وباكستان قل فيهما جدا رواج هذه الأسماء المختلطة، ولم ينسم بها فيهما إلا أبناء الطبقات الممعنة في التخلف والجهل، ولعل الحال كذلك في باقي الأقطار الأعجمية، أما الأقطار التي فتحها المسلمون العرب بدينهم وبلغتهم كليهما، كأقطار الشمال الإفريقي، فهناك جاءت اللغات المحلية أو العامية تبسط نفوذها على الأسماء، وأصبحت أسماء المسلمين تتألف من أجزاء حروفها عربية وكلماتها غير عربية، وإذا أردنا بالعربية هذه اللغة الفصحى، ولا نستطيع أن نقول بالضبط متى وكيف ابتدأ هذا التأثير للعامية في الأسماء العربية، ولكنا نعلم أن هذا التأثير باق إلى يومنا، بل هو ـ إن لم نكن مخطئين في التقدير ـ إلى زيارة وانتشار، فان استعرضت اليوم أسماء المسلمين في الجزائر ـ مثلا ـ أو ما حواليها من الأقطار، وجدت معظمها على نحو: كحلة محمد، وجندلي محمد، وتغليسية محمد، ومحمد كسوري، فالجزء المقدس باق على عربيته ولكن الآخر غلبت عليه العامية أو المحلية، فضاقت بذلك معاني الأسماء وعاد فهمها مقصورا على المحليين.

ولم يقف نفوذ اللغات المحلية في الأسماء عند هذا الحد، بل جاوزه إلى أن استولى على الجزء العربي المقدس فيها ومحى آثاره محوا، حتى أصبحت الأسماء أسماء ـ أسماء المسلمين بحقك ـ لا يرى بين أجزائها جزء مقدس ولا جزء عربي فصيح، وأنا نذكر إن كنا نطالع قبل أعوام في بعض الجرائد العربية الصادرة من الجزائر أسماء من أمثال: عمامرة معمر، ورابح عمامرة، ونجار رشد، والمنور مروش، وامساقم السائح، فلا نستدل على كونها أسماء لأبناء المسلمين إلا بأنها وردت في ثبت من الطلبة المتعلقين بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

أما مصر، مثابة العروبة ومركز العربية، فصحب النهضة العلمية والسياسية فيها اتجاه جديد في الأسماء أصبح عنوانا على التقدم والرقي، ومن مظاهر هذا الاتجاه البارزة:

الميل إلى تفخيم الأسماء وجعلها ذات ثلاثة أجزاء، بعد أن كانت تتخذ أكثرها من جزئين في العصور المتوسطة أو من جزء واحد فقط في القرون الأولى، وهذا الميل إلى التطويل في الأسماء أيضا غدا ينمو ويزكو حتى صرنا نطلع أخيرا على أسماء رباعية ذات أربعة أجزاء، ولا شك أن هذه الأسماء الثلاثية أو الرباعية لا مغمز فيها لطاعن من جهة الدين أو الخلق، لأن الدين لا يعنيه طول الأسماء وقصرها، وإنما تهمه معانيها وان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت