فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 5287

إخوانهم البرابرة من الناحية الثقافية أو التعليمية بتعبير أقرب للوضعية التي كان الإخوان عليها لأول عهدهم بالإسلام حيث جاء دور تعرف دينه الحنيف وتفهمه وتعلم لغته.

فالتف البربر بإخوانهم العرب يأخذون عنهم ما هم بحاجة إليه بخصوص هذين الناحيتين غير أنهم ويا للأسف لم يجدوا من الحكومة الإسلامية عناية بارزة بهذا المشروع الهام، كأنهم يرون أهم منه ـ ما يتطلبه الفتح من تعبئة للمراكز على اختلاف جهاتها وأفكار أبنائها وليس هذا بدعا في المغرب فنفس الظاهرة ما وقع في الشرق العربي وما إليه أثناء الفتح الإسلامي الأول حيث اشتغلت الحكومات الإسلامية بالفتوحات وبث أصول العقيدة في نفوس الجدد من الذين قدر لهم اعتناق الدين الإسلامي الطاهر.

نعم فمن ألطاف الله جلت قدرته أن الهم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فبادر رحمة الله عليه للأمر بتعليم البربر الإسلام بمجرد جلوسه على عرش الخلافة سنة 99 هـ ـ فوجه عشرة من التابعين وصلحاء العرب لتعريف الناس بأمور دينهم، وكأن من بين هؤلاء المعلمين حبان بن ابن جبلة كما نص على ذلك أبو العرب محمد ابن تميم في تاريخ إفريقية، ولم يكن للراغبين في الإسلام من أهل المغرب مفر من اللجوء في تعرف أمور الدين إلى العرب رسل الرسالة وهداة الشعوب.

ثم لم يكن الحجر الأساسي للعروبة بالمغرب من وضع الدولة الادريسية ـ فقد وجدت هذه الدولة المغرب لابسا حلة العروبة مغمورا بتقاليد العرب منذ أزيد من قرن إذ كانت به دول عربية ـ كدولة بني منصور بالريف التي أقامها صالح بن منصور الحميري فإنه لم يكد يفتح تمسمان حتى أقطعه إياها الوليد بن عبد الملك ـ فأسس دولة في المغرب سميت بعد ذلك بدولة بني صالح أو مملكة نكور، وظلت هذه الدولة قائمة الأركان ثلاثة قرون ساهمت أثناءها في نشر اللغة العربية لا في الريف وحده بل باقي ربوع المغرب حيث رفعت لواء المذهب المالكي. وقاومت تيار الخوارج في صف الأدارسة أضف إلى ذلك دولة بني مدرار بسجلماسة، وهاتان الدولتان وإن كانتا بربريتي الأصل ـ فقد كانتا من أنصار العربية كما لمح لذلك فيلسوف التاريخ عبد الرحمن بن خلدون، وكذلك بنو عصام أصحاب الدولة والصولة بسبتة التاريخية العظيمة التي اعتصى استرجاعها على دول ودول حيث ستكون معجزة إرجاعها إلى حظيرة العز والسؤدد من مزايا دولتنا العلوية الفاخرة، ومن نصيب الجالس على العرش بطل التحرير محمد الخامس دام تأييده، وهؤلاء البلغواطيين وعلى رأسهم الطاغية صالح بن طريف عندما أردوا المروق من الدين، افتعال قرآن يعارض القرآن العظيم، لم يجدوا مندوحة عن اللغة العربية، وفعلا كان قرأنهم المزور عربيا، وأداة تفاهمهم العربية. والمولى إدريس نفسه لم يبايع إلا لكونه جاء بدعوة عربية، ووجد أمة بربرية لها معرفة بالعربية تستطيع بها إدراك ما تبسط من التراكيب والمدلولات القولية.

طارق أثره في إيقاد جذوة الحماس وفتق الألسنة

قد علمنا تاريخيا أن القائد موسى بن نصير الوارد على المغرب بعد إحسان بن النعناع لسنة 87 هـ والذي جعل اللغة العربية رسمية بالمغرب اهتم اهتماما كبيرا بالزيادة في نشر الدين والعربية ورتب طائفة من العرب ليعلموا البربر القرآن وفرائض الإسلام وأدخل في حظيرة الإسلام والعروبة اصقاعا شاسعة بالمغرب الأقصى وجعل مولاه طارقا عليه حيث عاصمته عروس التراب المغربي طنجة البهجة الحلوة.

ونظم الجيش من العرب والبربر لغزو أوروبا، وجعل فيه جملة القرآن ثلاثمائة لتعليم العربية والدين وغير بعيد بطبيعة هذه الكثرة، أن يكون قد رتب في بقية المغرب أكثر من هذا العدد. وفي هذا العهد اصطبغ المغرب بالصبغة العربية، وتمكنت قدم العرب والعروبة بالمغرب وسار العرب والبربر جنبا لجنب نحو هدف شريف في مقدمته فتح الأندلس.

منذ هذا العهد القوي الخصب، والعرب والبربر يتداخلان ويمتزجان في المغرب والأندلس جميعا.

وهنا نقف غير ناسين أو متناسين كلمات القائد المغوار طارق بن زياد خصوصا خطبته الحاسمة التي أهابت برجاله وحفزت قواته المسلحة للاندفاع على الأسبان اندفاع اليائس من الحياة الطامح إلى الشهادة حتى هزموهم شر هزيمة، ووالي القائد فتوحاته في أسبانيا، وقبض على (رود ريك) أخر ملوك الفيزيغوط بها قتله سنة 94 هـ ولا نذهب بعيدا إذا قلنا أن الفضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت