فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 5287

الوافر يعود لمغناطيس الخطاب السحري الحكيم الذي بقلوب جيشه الباسل كما أقام الدليل الناطق على دهاء القائد وحنكته الحربية ووعي الجيش البربري الذي كان ينيف عدده على الثمانية ألاف جندي بينما بقية الاثنى عشر ألف مقاتل من العرب، قال البطل طارق ـ وقتما شاهد قوة رود ريك المدهشة:

(أيها الناس أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته مرفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم إلى أن قال وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن أن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبدا بنفسي فما حملتكم فيه بأوفر من حظي إلى آخر الخطبة التي دلت على قوة طارق ودهائه الحربي المدهش مما أخضع الجيش ووجهه التوجيه النهائي نحو المضي في مقارعة العدو والصمود أمامه إلى آخر نفس أضف إلى هذه حيلته المدهشة الحاسمة التي قضت على كل أمل ورجاء يمكن أن يكونا بقيا في نفس الجند تجاه الحلم بالعود إلى العدوة المغربية ـ حيث أمر بحرق السفن الأربع التي أقلت جيشه إلى الجزيرة على ما قيل طائفة طائفة وجاء التصريح به في تاريخ مروان بن حيان حسب نقل صاحب النفح أثناء عرض قصة المعركة وإن كان في هذا العمل الجرئ ما فيه من عدة وجوه:

1)ضياع قوة بحرية لها قيمتها في صيانة الثغور وإرهاب العدو المنازع إذ القوة البحرية لدى الأمم البحرية تعد كأحد جناحي طائر وهو في الواقع لا يستطيع التحليق بواحد.

2)إن هذه السفن ليست ملكا لطارق على ما حدث بع بعض المؤرخين كابن حيان، وإنما هي مستعارة من منافس (رودريك) يليان النصراني ومن العبث أن يعمد الإنسان إلى مستعار لا بد له في ملكيته ويتصرف فيه لحد الإبادة والإحراق.

3)من الممكن الجائز (لا قدر الله) أن يقع في صفوف القائد طارق ما يقع من دهش وانحلال يقضيان على معنوية الجيش في أثناء تلك الضائقة ـ التي قد لا يجد فيها منصا من الفرار والالتجاء إلى السفن رغبة في النجاة بأنفسهم من كارثة العدو المدجج حتى إذا أمكنتهم الفرصة بعد أعادوا الكرة من جديد ونالوا من العدو الغاشم ما تسمح لهم به شجاعتهم المألوفة، أما الإلقاء بالآف والآف المهج والأرواح ـ في أحضانه دون أن تجد متنفسا في الحومة فشيء بعد تهورا خورا قد لا تستسيغهما أراء الأكفاء من قواد الحروب ـ وإيطاليا في ميادين الوغى، أفلا تحتفظ بجل هذا الجيش أو نصفه على الأقل كنواة تبني على كاهلها قوة الآتي القريب خير من النغرير به إلى حد الفناء النهائي، وأتى لنا بتكوين أبطال مجربة من نوعه.

وهذا ما يجعلنا بعيدين عن الكنه والحقيقة إزاء هذا القيل الذي لا تساعد عليه خبرة القائد طارق بالحرب وخدعتها، وما يجب أن يتخذ فيها من احتياطات لا سيما في النفوس الغالية التي لا تسمح ولو بأبسط جندي يسقط في صفوفها رخيصا دون أن تراق له دماء ودماء.

ومن نوع هذه الريبة ما يقال في مدينة ـ طليطلة ـ الأندلسية التي فتحها طارق في جملة ما فتح من مدن الفردوس المفقود ـ إن الفاتح طارقا عثر فيها مائدة سليمان كما زعموا وإنها طوق ذهب وطوق فضة مكللة باللؤلؤ والياقوت، اللهم إلا إذا كان الجن قد نقلها من الشرق إلى الغرب ووضعها في جنة الأندلس حيث وجدت على هذا الزعم فشيء آخر لا نكاد نؤمن به حتى الساعة وإن صدق سواه من الآيات حسب النصوص الذي لا يقل الشك ولا يتطرق إليه النقد، والواقع أن هذه الإسرائيليات لم يعد لها محل من الثقة في نفس الشباب اليقظ الواعي فهي لديه من بقايا خرافة ومما يمت إليه بسبب في عالم الأفك والتضليل وما كان يحلم به قبل من أقوال مخدرة ـ كاتقد ولا تنتقد ـ وسلم للفارغة تنج من العامرة أنها فلسفة خائرة انطلت حيلها الصبيانية في أزمن غابرة على بسطاء وبسطاء وكفى.

لنعد إلى الخطاب القيم ـ الخطاب الذي برهن كذلك على قوة عارضة هذا القائد البربري المحنك والذي استطاع ببيانه السحري إقناع جيشه وتكوين منهم فرسان وأبطالا أمنوا كل الإيمان بمبدأ الاستماتة والانغمار في الساحة إلى النهاية، وطبعا كان هذا الجند الباسل يدرك مدلول ما احتواه الخطاب الحماسي العربي وهو ما هو علوا في البيان والروعة والسمو يجعلنا نؤمن بأن برابرة المغرب لذلكم العهد الإسلامي الفتى كان لهم إلمام واسع ومعرفة لا تقصر عن فهم أمثال هذا الخطاب الحربي البليغ الذي حول فزعهم تباتا وشجاعة، واضطرابهم يقينا وصمودا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت