فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولا عجب أن تخلق منهم هذه المعرفة نخبة تستطيع مع الأيام أن تفتح لنفسها آفاقا واسعة في فن القول وبديع الكلام تمكنها من إنشاء الأساليب القومية، والتراكيب القوية المتمكنة سنة الكون في النوع البشري وخليقة لا تلبث أن تجعل من هذه الفئة جندا يقلد قواده ويساير أبطاله في كل ما يسمو به لاوج العز والسؤدد، وأقرب شيء يكون ميسورا لديه ـ أن يقوم ويقول خصوصا في الميدان العسكري وساحات ـ التدريب وحومات الوغى والتزال، بطبيعة هذا الجو المرهب يقع تجاوب بين رؤساء الفيالق ومسيري الفرق مع القائد الأكبر وطارق المغوار ـ علاوة على ما للمخالطة وفك قيود الانعزالية من تأثير على الألسن وانطلاقها في أسرع زمان للحديث باللسان الرسمي في الدولة والجاري في الأوساط الشعبية، والمستعمل في التخاطب العادي بين أفرادها على انتشار المقرئين والمعلمين آن ذاك يعد بحق من بواعث الاندفاع لتلقي اللغة العربية الجديدة ـ لغة القرآن الكريم ـ لغة الوحي والتنزيل.
وقد اشتد شوق الإخوان البرابرة وقوي شغفهم باللسان العربي الجديد ساعة ما آخذ القائد طارق يخاطب إخوانه قصيدته في الفتح حسبما نقله الأديب المقري في النفح عن المؤرخ الحجاري في كتابه المسهب وعن ابن اليسع في المغرب قائلا:
ركبنا سفينا بالمجاز مقبرا
على أن يكون الله منا قد اشترى
نفوسا وأموالا وأهلا بجنة
إذا ما أشبهينا الشيء فيها تيسرا
ولسنا نبالي كيف سألت نفوسنا
إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا
رغم أن ابن سعيد تحدث حول هذه الأبيات ـ إنها مما يكتب لمراعاة قائلها ومكانته لا لعلو طبقتها فلنهمس إليه قائلين: إلا تكرر البيت الثالث مرددا معناه السامي في التضحية لتدرك مدى نفوس الأبطال وما تهدف إليه من سمو، وترمي إليه من عز وسؤدد يحلقان بها إلى عرعرة القمم ويرفرفان بها عالم الشهداء حيث موطن الكرامة والسعادة، وفي استطاعتنا أن نلتمس العذر للؤرخ ابن سعيد في قولته هذه التي لا أخال إلا أنه مدفوع إليها بسهولة التركيب وسلاسة الألفاظ البعيدة عن الوحشية والتقعر فكانت هذه حوافز جعلته يستسهل القطعة ويضعها في مصاف الشعر المراعي لقائله لا لروعته على أننا والحالة هذه لسنا بصدد تحليل الشطر والشطرين كي نستشرف على ما يمكن أن يتجلى فيهما من روعة ومتانة توحي بهما عبقرية الشاعر المبدع وتطلع بهما علينا شاعريته الرفيعة بل حسبنا أن نرى هذا اللون من الكلام المقفى، والأسلوب المتزن الجديد الذي لا تفتأ تقاطيعه الشعرية، ونبراته الغنائية ذات النوبات التفعيلية القارة تجتذب نفسية الأخ البربري، وتحرك شوقه الحار لهذا النوع الطريف من القول الحافز بهدوئه الموسيقي إلى الإصغاء بقلب واع، ونفس تواقة للنسج على منواله الهندسي الدقيق رافعا مكانها في مقام الكلام إلى أسمى ذروة في الوزن والتقفية.
وعلى عكس هذا الوتر نقرت هند صاحبة الحجاج إذا نقول:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت
بما فقدناه من مال ومن نشب
البيتين مجيبة الفتاك الثقي عن بيته:
(فإن تضحكي يا هند يا رب ليلة) إلى أخر القصة التي دار في حوارها تلكم الكلمة الذهبية المسكتة الحمد لله الذي أبدل درهمنا بدينار.
على أن هذا العكس له مقامه الماس ببساطه الخاص الذي لا يدع مجالا لتصويب النقد إليه، إذ الأدب تواق بطبعه للنظر والمخالف بالأحرى كأقرب شيء يكون خطورا بالبال.
وعفوا إذا سبح القلم بين الفنية والأخرى في خضم هذا النوع من البديع المعروف في فن القول الرقيق بالاستطراد الذي هو في مدلوله بمنزلة الفارس في المعركة يبدي لمبارزة أنه فر رجاء أن بكر.
وفي هذه اللحظة يتجلى الحسن بمعناه الجميل الذي يرعاه شاعر المعرة في قصيدته الرائية
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر
لعل بالجزع أعوانا على السهر
إلى أن يقول:
والحسن يظهر في شيئين رونقه
بيت من الشعر أو بيت من الشعر