فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 5287

أليس أبونا هاشم شد أزره

وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

فلسنا نمل الحرب حتى تملنا

ولا نشتكي مما يئول إلى النصب

ولكننا أهل الحفائظ والنهي

إذا طار أرواح الكماة من الرعب

هذه الأبيات الحماسية القوية لها سبب أدبي خاص عليه انبنت قافيتها المطبوعة بطابع الرجولة الفياضة المتركزة على أناة الطويل المتوالي النبرات الهادئة والمشعرة في نفس اللحظة باندفاع كل من المنشد والمستمع عن حساسية وشعور لمنازل الأحرار، ذلك أم داوود بن القاسم بن عبد الله بن جعفر الأوروبي (نسبة إلى قبيلة أوربة البربرية التي آوت المولى إدريس أول ما وطئت قدماه هذا التراب المغربي العزيز) ومنها ءايت أربل من قبائل الخميسات اليوم. الذين كانوا إلى عهد غير بعيد يشدون الرحلة إلى مواسم الفاتح السنوية متقدمين بهداياهم الفاخرة لأبنائه كذكرى من ذكريات مجدهم الأثيل المنحدر إلى أجدادهم الأول على يد الفاتح الأكبر قدس الله روحه.

قال شهدت مع إدريس ابن إدريس بعض غزواته للخوارج الصفرية من البربر فلقيناهم وهم ثلاثة أضعافنا فلما تقارب الجمعان ترجل إدريس فتوضا وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ثم ركب فرسه وتقدم للقتال قال: فقاتلناهم قتالا شديدا، فكان إدريس يضرب في الجانب مرة ثم في الجانب الآخر فلم يزل كذلك حتى ارتفع النهار فرجع إلى رأيته فوقف بإزائها والناس يقاتلون بين يديه فقطفت انظر إليه وأديم الالتفات نحوه وهو تحت ظلال البنود يحرض الناس ويشجعهم، فأعجبني ما رأيت من شجاعته وقوة بأسه، فالتفت نحوي فقال يا داود ما لي أراك تديم النظر إلى؟

قلت أيها الإمام أنه أعجبني منك خصال لم أرها في غيرك قال وما هي يا داوود؟

قلت: أولها ما أراه من حسنك وجمالك، وثبات قلبك، ومن طلاقة وجهك، وما خصصت به البشر عند لقاء عدوك، قال: ذلك بركة جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه لنا وصلاته علينا وأراثة أبينا على بن أبي طالب رضى الله عنه قلت أيها الإمام ـ أراك تبصق بصاقا مجتمعا وأنا أطلب الريق في فمي فلا أجده ـ قال يا داوود ذلك لاجتماع عقلي وثبات جاشي وعدم الريق من فيك لطيش لبك، وافتراق عقلك ولما خامرك من الرعب، قال فقلت أيها الإمام وأنا أيضا أتعجب من كثرة تقلبك في سرجك، وقلة قرارك في مواضعك قال: ذلك مني زعم للقتال وعزم وصرامة وهو أحسن في الحرب، فلا تظنه رعبا، وفي هذه اللحظة أنشأ يقول: أليس أبونا هاشم شد أزره الأبيات ـ فهذا التجاوب الإسلامي المكسو حلة صدق وصفاء بين خليفة المسلمين وفرد من أفراد رعيته المخلصين ليهدينا في وضوح إلى ـ ما لرجال الخلافة وملوك الإسلام في عهوده المشرقة من انطلاق وانشراح ولين في الوقوف جنبا لجنب تشخيصا لروح الديمقراطية الحق ذوبانا منهم وامتزاجا بالأوساط الشعبية دون أن يتبرموا أو يأنفوا أو يعرفوا للإستقراطية والميز مدلولا يحول دون اتصالهم برعاياهم الأوفياء.

ولا أدل على هذا المعنى الكامل (والتاريخ يعيد نفسه) ما أصبحنا نراه اليوم في جلالة عاهلنا المفدى البطل الأشوش مولانا محمد الخامس حفظه الله في رحمة الصغير، والعطف على الكبير، ومواساة المحتاج والمعوز في استرسال وتتابع. (الله عودك الجميل فقس ما قد مضى)

نعم لقد استفدنا من هذا العرض الذي أدلى به داوود الأوربي أن قائد المعركة وبطل الدولة إدريس عندما حان اللقاء تطهر وركع ركعتين ودعا ربه، ثم امتطى صهوة جواده واقتحم الساحة ضاربا مرة هنا وءاونة هناك غير غافل عن جنده الباسل وهو في وطيس المعمعة يستميت دون الانتصار الذي تستحلي الشهادة في ساحته المقدسة واعتباره الطاهر الذي تفتح فيه العين بصدر رحب، مخالفة لشرعة الأدباء القائلين:

عقدت سنابلها عليها عتيارا * لو تبتغي عنقا عليه لا مكنا

في هذا الجو القاتم، والظرف المتزاحم الحاسم ـ يذهب الإمام ويجيء تحت ظلال البنود، وخطوط الرماح يحرص ويشجع ـ والرجل الأوروبي يديم النظر إليه تباعا متعجبا من ثيابه وطلاقة وجهه الشيء الذي اضطر معه الخليفة لسؤاله عن ذلك فما كان من الأوروبي إلا أن صارحه شارحا له دوافع استغرابه وتعجبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت