فهرس الكتاب

الصفحة 963 من 5287

وكان هذا من المولى إدريس فتحا للباب في وجه الرجل البربري جعله يسترسل في الاستفهام بلسان عربي مبين عن كل ما لفت نظره من حالة الإمام وقوة جأشه، وخفة حركاته ومواصلة جولاته الحربية ميمنة وميسرة، وأمام وخلف وقلبا ـ قلت أيها الإمام: أراك تبصق بصاقا مجتمعا وأنا أطلب الريق في فمي فلا أجده، قال: يا داوود ذاك لاجتماع عقلي وثبات جأشي، وعدم الريق في فيك لطيش لبك، ولما خامرك من الرعب.

إنها لحقيقة ثابتة في النوع البشري كلما أصيب أودهاه مشكل، أو غمرته داهية في هذا المحيط الرهيب في مضيق هذا الفزع المساور يجف الريق وينقطع البصاق أن لم يغر نهائيا ويصبح الإنسان الفرق متبلعا كالشرق بريقه يبحث عن جرعة ماء يدفع بها غصته، وانحراف لهواته عن الطبيعة خورا وجبنا يمنى بهما كثير ممن لم يتلقوا دروسا في العرامة والبطولة، ولم يساعدهم الحظ بالتشبع بمبادئ التربية الوطنية التي تستطيع أن تبرز ما كمن في النفس من رجولة، واستبطن في خلاياها من نبل وقوة وإيمان وثبات ضمير وصمود أمام الخطوب والشدائد مكارم يمنحها الإنسان بالطبع والوراثة أو يكتسبها أحيانا بمثافنة أكفاء اشبعوا بروح التربية الصحيحة، وتلقفوا مبادئها المشرفة في معاهد التكوين الجسمي والخلقي المبنيان على تعاليم الإسلام وسننه التربوية الخالدة التي كم اعتنت بهذا المبدأ الإنساني، وأحاطته بمزيد الاعتبار والاكبار رغبة في تحبيبه إلى النفوس الواعية لما له من تأثير في تقدم المجموعة الإنسانية وانتصارها على المناوئين والأعداء.

وهذا ما تتابع واسترسل متسلسلا منذ حقب وأجيال بعيدة حتى عصرنا المائل حيث أصبحنا ولله الحمد وله المنة نلمسه في غير ميدان وقد ناصرنا الثبات، وحالفنا الفوز.

ومن شجاعة هذا الأوروبي الأدبية الشجاعة المشرية بروح البطولة التي أوحت بها طبيعة البساط مارئ عليه من تقدم نحو الإمام بسؤاله الجريء قائلا: أيها الإمام وأنا أيضا أتعجب من كثرة تقلبك في سرجك، وقلة قرارك في موضعك؟ قال: ذلك مني زعم للقتال، وعزم وصرامة وهو أحسن في الحرب فلا تظنه رعبا ثم أردف ذلك بالأبيات الآنفة الذكر.

هكذا قام البربري الصريح سائلا أمام الدولة ابن السول الأكرم دون أن يتهيبه أو يخشى سلطانه وقوته هذا السؤال العظيم الذي أوحي للإمام بعرض هذا الدرس الحربي الخطير الذي كان فيه توجيه وإرشاد لأبناء المغرب العربي الأباة الذين خلقوا مطبوعين على الشهامة والآباء، خلقوا ليكونوا أحرارا أعزاء يأبون الضيم والذل وينشدون بالتوس والطبع.

لا تقتني ماء لحياة بذلة

بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

إن هذا الدرس من الإمام إدريس نور الله ضريحه ـ لمن ترسم خطاه، واستظل ببنوده، وطبق نقطه الحربية، ليعدل بدروس ودروس فنية بمدرسة لها مناهجها وتصميماتها السريعة التكوين ـ لما للبرامج العملية من فعالية وتأثيرات عاملة في النفوس الواعية ـ فمن هو يا ترى الرجل الذي كان منتظرا يهيب بنا لشرح تلك المعاني الحربية الدقيقة ووضعها مكان الهناء من النقب سوى الإمام إدريس الذي وجد مجالا فسيحا من وراء هذا السؤال الصريح المنبثق عن أمثال تلك الفوائد القيمة التي أرتنا شاشتها الحية الصادقة حتكة الإمام وتبريزه الخاص في فنون اللقاء وخطط الطعان والبراز علاوة على ما توفر عليه من شيم وأخلاق أرق في طيبها من عليل النسيم. ويمكننا أن نستروح من بين سطور هذه الكلمة الجمالية الصريحة ـ إن البربري رقيق الحس جمالي الطبع يتعمق صور الجمال ويحسها في دقة لحد التعبير عن خلجاته من آثار تأثيرها على نفسه وذوقه ظاهرة حلوة تضعه في صف أدباء النفس الشاعرين بجلالة الحسن وتقويمه التصويري في الجنس البشري على الخصوص ـ ولا نذهب بعيدا إذا ما تأيدت هذه الحقيقة، وساندها الواقع على لسان البربري الشعري إذ يقول:

أس اوا تربت ءابو لاربع أن نمون

تعربيه: هل تريد يا صاحب الربعات أن نتوافق

الشطر التاني: أك اسبغ ف الريشن والني

تعربيه: أحملك على أهداب العينين ـ وهو معنى رقيق جميل ينم عن حساسية فياضة بمعاني الكمال والجمال. ومن شرقات هذه الظاهرة الواعية نستنتج أنه كان لسكان هذا التراب العزيز لغتهم الخاصة المطبوعة بطابع الانسجام والأسلوب الحيين ـ التي قد تكون انحدرت إليهم من لغة (التوارك) الصحراويين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت