فهرس الكتاب

الصفحة 965 من 5287

من القول محاسبة الدهر والتشكي من ويلاته القاسية حافزا للشعراء في الشرق والغرب لرفع عقيرتهم الحزينة في تبرم وتوجع بشتى الأساليب وألوان الكلام عساه يحن ويرحم عاطفا بتخفيف قسوته وتليين حدته رفتا بأباة الضيم وأحرار النفوس من أبناء البشرية المعذبة طول دقاته ولحظاته مما قل أن ينجو من أهواله ذو همة وشمم تأبى عليه نفسه الخضوع لقوانين لا تتفق وسنن الاجتماع الإنسانية، مما يخرج في بعض الظروف بالكتاب والشعراء الذين يلمسون ما سرى من ضعف للحقائق، وتسلط على القيم من هدم وإهانة مستبطنين أعماق الخلايا لحد التفوه باللغة الجارحة، والقول المقذع تصادما مع الدهر وما تجري به لحظاته الفاتنة بين الآونة والأخرى من خفض العالي، وإعلاء النازل وما إلى هذا من تصرفات شاذة وأحوال تمجها حتى الطبيعة محركة ما كمن من ألم الإحساس سوء وسخطا فيرفع الرأس جاهرا بقوله:

تبا لدهر قد أتانا بالعجب

ومحا فنون العلم والآداب

وأتى بكتاب لو انبسطت يدي

فيهم رددتهم إلى الكتاب

هنا نرى هذا الشاعر يرفع عقيرته مسددا سهامه البذائية إلى الدهر منتقدا عليه اتباته العجب الغريب ومحو فنون العلم والآداب وخلقه كتابا بسطاء ليسوا في العبر ولا في النفير متمنيا لو تبسط يده فيهم وتمتد سلطته عليهم لأرجعهم على التوالي إلى الكتاب ـ فهم في نظره صبية ما كان احراهم بالعود إلى مقر الطفولة الأول ـ ليتهموا من معين أولياته التعليمية علهم يصلون في تطور وتدرج إلى ما استعجلوه اليوم متربعين على كراسي الآداب والفنون، وما هذا الفورة الثائرة منهم سوى ما يتزاحم في صدورهم من حرج، وسعود راكعة وأبي شاعريا أبو تميم إلا أن ينغمر في هذا الميدان العربي فيخاطب الدهر بدوره قائلا منه بلسان حاد على المألوف عند قدماء الشعراء فيصفه بالقسوة والشدة في تلونها غير هباب ولا وجل.

ونرى له الآن لونا أخر يعرب في وضوح عن تقعده وثبات قلبه ورسوخ إيمانه رافعا كل ما يمكن أن تذهب النفس إليه في شعره الأول قال:

أما والذي لا يملك الأمر غيره

ومن هو بالسر المكتم أعلم

لئن كان كتمان المصائب مؤلما

لإعلانها عندي أشد وآلم

وبي كل ما يبكي العيون أقله

وإن كنت منه دائما أتبسم

أبيات تنم قوافيها العامرة عن رجولة قوية. وشهامة عربية تبلورت معانيها المقدسة داخل أشطارها القريبة حيث لا تستطيع الخطوب والكوارث أن تثبت أمامها لما أودع فيها من سر، وتوفرت عليه من عزة وكرامة ـ فرغم القساوة التي تجلت في محيطات الرجل تجده متفتح القلب، باسم الثغر، منطلق الوجه أمام الدهر العاتي على رأيهم ـ وعلى وتيرة ما أسلفاه عنه الدهر العاتي على رأيهم ـ وعلى وتيرة ما أسلفاه عنه وما للأدباء والشعراء حوله من آراء تشتد آونة وتفتر أخرى.

وإن رجالا حبوا بهذه الخصائص وتوافروا على قيمها الغالية لهم أجدر قبل سواهم بالانضمام تحت لواء هذا الرعيل الأول من أبناء الإنسانية الحق الذين لا نظن زمرهم تتكون في مجموعها إن لم تقل جميعها من فير الشباب الواعي أو الكهولة المبكرة التي نرى أديبنا ابن المعز، لبي فيها داعي القدر والتحق بالرفيق الأعلى وهو ابن سبع وأربعين حجة سنة الله في الكون أن تجد المنايا سبيلا لإنشاب أظافرها بنجباء البشرية وأذكياء القلوب من الشباب الحي المشبوب القريحة مستعينة على اختطاف نفوسهم الزكية بلهيب غريزته وسيلان ذهنه، وتوقد فطرته عوامل لها أثرها الفعال على الشباب الموهوب في عمله والخلاق بحركاته وجهاده اللذين يذللان كل الصعوبات، ويمهدان أن السبيل رغم عقباتها الكاداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت