فهرس الكتاب

الصفحة 970 من 5287

على تخومها الشمالية جزئيا أو كليا منذ ألفين وخمسمائة سنة كذلك على ما تدل عليه النقوش الأشورية ونصوص أسفار العهد القديم. واللغة التي تكلم بها سكان الجزيرة والبلاد المتاخمة لها منذ ألفين وخمسمائة سنة هي اللغة العربية بقطع النظر عن تعدد اللهجات وبعد هذا قليلا أو كثيرا عن اللغة العربية على تدل عليه نقوش وأسماء وأعلام الحميريين والأقباط الذين برزوا في مجال الحضارة والحكم في داخل الجزيرة وخارجها قبل الميلاد المسيحي، وامتد إلى ما بعده. فإطلاق تعبير «الأقوام العربية» على سكان جزيرة العرب والبلاد المجاورة لها أصح علميا وتاريخيا وواقعيا من تعبير «الأقوام السامية» على ما هو المتبادر، لأنه يمتد في سنده إلى حقبة سحيقة في القدم، ويتصل بالواقع الراهن، وقد قال بهذا باحثون عديدون منهم الدكتور جواد علي في كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام» ، وعطية الإبراشي في كتابه عن الأمم السامية ولغاتها.

فلقد عقد الدكتور جواد في الجزء الأول من كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام» فصلا خاصا تناول فيه موضوع السامية والساميين جاء فيه فيما جاء أن المعنيين بلغات الشرق الأولى لاحظوا وجود أوجه تشابه ظاهرة بين البابلية والأشورية والكنعانية والعبرانية والآرامية والعربية واللهجات العربية الجنوبية، والحبشية، والنبطية وأمثالها من حيث اشتراكها وتقاربها في جذور الأفعال وتصاريفها وزمني الفعل الرئيسيين: التام والناقص أو الماضي والمستقبل وفي أصول «المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية، والأعداد، وبعض أعضاء الجسم، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات الذي يحدث تغيرا في المعنى وفي التعابير التي تدل على منظمات الدولة والمجتمع والدين. فقالوا بوجود وحدة مشتركة تجمع شمل الأقوام التي تتكلم بها وأطلقوا عليها اسم «الجنس السامي» وعلى اللغات التي تكلمت بها اسم «اللغات السامية» ثم اختلفوا في مهد هذا الجنس، فرأى فريق منهم أنه جزيرة العرب، وفريق رابع أنه بابل، وفريق ثالث أنه إفريقية، وفريق رابع أنه آسيا الصغرى. وقد أيد الرأي الأول عدد كبير أو العدد الأكبر منهم أمثال شبرنكر ـ وسايس ـ ودي كويه ـ وكينك ـ وكارل بروكلمان ـ نتيجة لاستقراآت واستنتاجات اجتماعية ودينية ولغوية وتاريخية، والمستفاد مما جاء في هذا الفصل أن الذين قالوا بالآراء الأخرى إنما قالوها بالنسبة للمهد الأصلي فحسب، وإن كثيرا منهم يقررون أن الجنس العربي ـ وهو الاصطلاح الأصح ـ قد هاجر من مهده الأصلي إلى جزيرة العرب أو أطرافها وانتشر فيما ثم أخذت موجاته تنساح منها إلى ما يجاورها عودا على بدء، بحيث يبدو من هذا أن معظم الباحثين يتفقون على أن جزيرة العرب هي مصدر الموجات التي خرجت إلى الأقطار المجاورة لها وعمرتها منذ أقدم الأزمنة.

وقد أشار الأستاذ عطية الإبراشي إلى أنه على أي تقسيم لمجاميع اللغات سواء أكان مبنيا على رواية الكتاب المقدس أم البحث العلمي، وسواء كان عدد المجاميع ثلاثا أو عشرا فإنه توجد جماعة بشرية واحدة كونت جنسا بشريا واحدا، وقد اتصلت شعوبه اتصالا وثيقا، وارتبطت بكل الروابط الطبيعية التي تجعلها ـ حقيقة ـ جنسا بشريا واحدا على مبد أي تقسيم. وهذا الجنس هو الجماعة الكبرى المعروفة باسم الجنس السامي والذي تعرف شعوبه أيضا بالشعوب السامية، ولغاته باللغات السامية والتي تحضرت في أطراف الجزيرة العربية وفيما وراء هذه الأطراف مع بقاء نوع التفكير والخيال واحدا بما تقدم من الأسباب وبحكم الوراثة. وقد كانت نشأة جماعتها ومهدها الأول في هذه الجزيرة، ومن هذا المهد الأول هاجرت مرة أخرى دون انقطاع.

وخلاصة القول، والنتيجة المنطقية له أن الجماعية السامية هي الجماعة العربية، وإن مهد الساميين الأول هو مهد هذه الجماعة العربية الأصلي وهو نجد والحجاز والعروض واليمن وما إلى هذه البقاع، ومنها كانت الهجرات السامية الأولى إلى شمال الجزيرة ومشارف الشام والعراق حتى تخوم بلاد إيران ثم إلى بلاد الحبشة ووادي النيل، وإن الأمة العربية قديما وحديثا هي الجنس السامي بأكمله، ومنزلة جميع الوحدات السامية من العرب منزلة الشعوب المتفرعة عن أمة واحدة مع دوام اتصال الفرع بالأصل واستمرار المدد من الأصل إلى الفرع، ومنزلة اللهجات السامية من اللغة العربية منزلة الفروع الدانية من الأصل الواحد، وأنه بمقارنة اللغات السامية مقارنة لفظية اتضح للباحثين فيها أن أصول كلماتها الاشتراك اللفظي مع التحوير بالمعنى: بأن تكون الكلمة في اللغة العربية بمعنى وهي بلفظها ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت