فهرس الكتاب

الصفحة 971 من 5287

في العبرانية أو السريانية بمعنى آخر، غير أن العلاقة بين المعنيين لا تلبث أن تبدو ببحث يسير. ويظهر أن التغيير قد جاء بناء على التطور المعروف في معاني الكلمات. وبالمقارنة اللفظية الفنية أصبح مما لا جدال فيه مطلقا أن جميع اللغات السامية الداخلة في مجموعة واحدة هي لهجات متقاربة جدا ترجع إلى لغة واحدة، وإن جميع الشعوب التي تتكلم بها هي فروع جنس واحد يرجع إلى جماعة أولى هي أصل هذه الفروع. وبمقارنة لغتين من هذه اللغات مقارنة معنوية أدبية نخرج بنتائج قيمة صادقة في شأن العلاقات التي تربطها ببعضها في الشؤون الدينية والصناعات العملية المكونة للحضارة والنظر العلمي والاجتماعي والنظر الفلسفي والمجهود العقلي والتاريخي في حدود الروايات والأساطير والمجهود العقلي الأدبي المعبر عن الذوق وسمو الروح.

ولقد جاء في كتاب ­ «تاريخ اللغات السامية» لإسرائيل ولفنسون أن اللغات السامية تتميز في بعض أحوالها عن أنواع اللغات الأخرى بميزات وخصائص تجعل كلا من هذه اللغات كتلة واحدة. وأهم هذه الميزات هي:

1)إن اللغات السامية تعتمد على الحروف الصامتة وحدها ولا تلتفت إلى الأصول بقدر ما تلتفت إلى الحروف الصامتة.

2)أغلب الكلمات يرجع اشتقاقه إلى أصل ذي ثلاثة أحرف أو حرفين.

3)تطغى على اللغات السامية ظاهرة الفعل، لأن اشتقاقات كلماتها هي في الأصل «فعل» .

4)ليس في اللغات السامية أثر لإدغام كلمة في أخرى حتى تصير الاثنتان كلمة واحدة تدل على معنى واحد مركب من كلمتين مستقلتين كما هي الحال في غيرها.

5)ولا يزال هناك شيء من بقايا الإعراب في أغلب اللغات السامية.

وتظهر أوجه الشبه في أغلب اللغات السامية خاصة في الأشياء التي كانت معروفة لهم جميعا كأعضاء الجسم، والضمائر حيث هي متقاربة في جميعها ـ تقريبا ـ مما فيه دلالة على كون الناطقين بهذه اللغات من أصل واحد وأن أجدادهم كانوا أعضاء كتلة واحدة.

ولقد كانت العوامل الطبيعية والاجتماعية مثل الجفاف وشح الماء والقحط وقلة الكلأ والمنازعات القبلية تعمل عملها في جزيرة العرب منذ الأحقاب السحيقة في القدم تحفز جماعات من سكانها إلى الانسياح إلى الأقطار المجاورة جنوبا وشمالا ثم ظلت هذه العوامل التي هي ظاهرة طبيعية واجتماعية من ظواهر الجزيرة تعمل عملها دورا بعد دور قبل الإسلام وبعده وما تزال، فيكون في هذا التلاحق المتواصل المتخذ في طبيعته وحوافزه ومجراه الدليل على وحدة الأمل والجنس والمنشأ بين سكان الجزيرة والأقطار المجاورة لها تكون فيه وسيلة مستمرة لتوثيق الروابط والصلات والوحدة بين القلب والأطراف، وتجديد دم الجنسية العربية وحيويتها وطابعها مما لا يكاد يكون له مثيل في الدنيا.

وهكذا أخذت بلاد الشام ساحلها وداخلها وجنوبها وشمالها وباديتها منذ أكثر من خمسين قرنا تعمر بالموجات الكبرى التي جاءت إليها من الجزيرة رأسا وبطريق العراق، والتي عرفت بأسماء الكنعانيين ـ والفنقيون فرع منهم ـ والعموريين والآراميين، وبالموجات الصغرى التي كانت تنساح من حين إلى حين ـ كنتيجة لهذه الموجات الكبرى ـ وكانت تابعة لها، والتي لم تذكر باسم خاص في الأسفار والآثار. وهذا قبل بروز العروبة الصريحة، ثم بالعريبيين والثموديين واللحيانيين والفيداريين والنبطيين والتدمريين والعبابيد والخبايا والدنجريين والقحطيين والبازيين في أوائل بروز العروبة الصريحة ممن جاء ذكرهم في النقوش والمدونات القديمة (1) وغيرهم ممن لا تعرف أسماؤهم ولكن الآثار والقياس يؤيدان انسياحهم، ثم للعلافيين والجهنيين والبلويين

(1) تاريخ العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان. وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي الأجزاء 1، 2، 3، 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت