فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 5287

والقضاعيين والضجاعمة والتنوخيين والكلابيين والطائيين والتغلبيين والبكريين والقاسطيين والتميميين والداريين والغساسنة والإيطوريين والعامليين وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في المدونات العربية وبقيت أنسالهم إلى ما بعد الإسلام والذين كانوا يملأون جنبات بلاد شام المختلفة وذلك في دور العروبة الصريحة قبل الإسلام (2) وأخذ السابقون واللاحقون ينسكبون في بوتقة هذه العروبة بسهولة ويسر، وتتوارى الشخصيات واللهجات غير الصريحة في عروبتها حتى إذا جاءت موجة الفتح الإسلامي الكبرى قويت عملية الانصهار وتكاملت حتى غدت العروبة طابع هذه البلاد الخالد.

ثم استمرت الموجات متلاحقة تقوي عملية الانصهار، وتمد عروبة بلاد الشام بالدم والحيوية، وتغذي المدن والقرى فتفسح لغيرها المكان في البادية الشامية التي تعج الآن بالقبائل العربية التي منها ما يرجع طروءه إلى قرنين وثلاثة أو أكثر فتتمثل في هذا صورة حية لما كان يجري عليه الأمر منذ آلاف السنين.

وكذلك كان شأن العراق، حيث أخذ يعمر منذ أكثر من خمسين قرنا بالموجات الكبرى التي كانت تنساح إليه من جزيرة العرب رأسا أو بطريق الشام والتي عرفت بالكلدانيين والأكاديين والعموريين والآشوريين والآراميين، وبالكثير من الموجات الصغرى التي كانت تلحق بهذه الموجات وتندمج فيها قبل بروز العروبة الصريحة، ثم بالتنوخيين واللخميين والشيبانيين والتغلبيين والأسديين والبكريين والنزاريين والكِنديين والمذحجيين وغيرهم ممن ذكرتهم مدونات العرب وبقوا إلى ما بعد الإسلام وممن لم تذكرهم والذين كانوا يملأون جنبات العراق في دور بروز العروبة الصريحة قبل الإسلام. وقد أخذت أنسال الموجات العربية القديمة غير الصريحة وأجيال الموجات الصريحة ينسكبون في بوتقة العروبة الصريحة بيسر وسهولة. واستمرت الموجات المتلاحقة تقوى عملية الانصهار وتمد عروبة البلاد بالدم والحيوية وتغذي المدن والقرى .... فتمثل في هذا كذلك صورة حية لما كان يجري عليه الأمر منذ آلاف السنين. وكذلك كان شأن وادي النيل الممتد من سواحل البحر الأحمر وبحر الهند شرقا إلى صحراء السودان الغربي غربا ومن شبه جزيرة سيناء والبحر الأبيض شمالا إلى منطقة خط الاستواء جنوبا حيث أخذت هذه المناطق الواسعة تعمر بالموجات التي كانت تنساح إليها من جزيرة العرب عن طريق سيناء وبرزخ السويس تارة، وعن طريق باب المندب تارة أخرى، وبقيت مستمرة متلاحقة حتى إذا جاءت موجة الفتح الكبرى أخذت أنسال الموجات الأولى تنسكب في بوتقة العروبة الصريحة التي كانت طابع هذه الموجة فلم تمض بضعة أجيال حتى تكامل الانصهار، وغدت العروبة طابع هذه البلاد الخالدة أيضا. وقد ظلت عملية انسياج القبائل العربية متلاحقة بعد الفتح الإسلامي فكانت وسيلة مستمرة لقوة رسوخ ذلك الطابع ولتغذية المدن والقرى فينفسح المكان لغيرها في مختلف أنحاء وادي النيل الذي يعج الآن بالقبائل الصريحة العروبة بأسمائها وأصولها والتي يبلغ عددها أكثر من مليون في مصر، وملايين عديدة في السودان والحبشة وسواحلهما. وهذا عدا الملايين العديدة التي اندمجت في حياة القرى والمدن في وادي النيل، والتي تحتفظ بتقاليدها وعاداتها وأحسابها العشائرية. وإذا كان التاريخ القديم لا يمدنا بأسماء معينة للموجات العربية الكبرى التي انساحت إلى وادي النيل قبل الإسلام كما فعل بالنسبة للعراق والشام فأوجد في الأذهان فراغا بالنسبة لصلة مصر بالعروبة وجزيرة العرب منذ الأزمنة القديمة، فمرد هذا إلى طبيعة التسجيل التاريخي المصري الذي نحا نحو تعداد الأسر والدول، وليس من شأنه أن ينقض ما نقرره من كون معظم سكان مصر الأقدمين وخاصة الذين أنشأوا ممالكها وحضارتها المعروفة تاريخيا هم من الجنس العربي كسكان العراق والشام لأن ذلك مؤيد بالوقائع المستمرة المتلاحقة التي لم تنقطع حتى غدت حقائق تاريخية.

على أن كثيرا من الباحثين يقررون ـ برغم ذلك الفراغ، واستنادا إلى الدراسات الأثرية وغير الأثرية ـ أن معظم سكان وادي النيل هم موجات جاءت من جزيرة العرب، وكان أكثرها ينساج من الجنوب حيث ينزل في سواحل إتيوبيا فينتشر ويستقر بعضها في مختلف أنحائها، ويتجه بعضها إلى الشرق والشمال فتنتشر منها جماعات في أنحاء السودان ويطرق منها جماعات أرض مصر فتنتشر وتستقر فيها.

ولقد سجلت النقوش المصرية ـ التي ترجع إلى أربعين قرنا قبل الميلاد فما بعد ـ قيام ملوك مصر

(2) تاريخ العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان. طبقات ابن سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت