فهرس الكتاب

الصفحة 973 من 5287

بحملات تأديبية عديدة على حدود الدلتا الشرقية في الشمال وحدود النوبة والسودان في الجنوب لرد عدوان القبائل التي لم تفتأ تنساح إلى مصر من الجهتين، واهتمامهم لتحصين حدودها في سبيل ذلك، كما سجلت تسرب قبائل عديدة من الجهتين قبل «الشاسو» واستقرارها في القطر المصري واستعانة ملوك مصر بها في حروبهم مما فيه الدلالة الحاسمة على عملية الانسياح من جزيرة العرب إلى وادي النيل منذ الأزمنة القديمة.

ولقد كانت موجة «الشاسو» أو «الهكسوس» التي طرأت على مصر من طريق برزخ السويس والتي لا يكاد يختلف أحد في أصلها العربي ـ حسب الاصطلاح الأصح ـ واستيلاؤها عليها وإقامتها فيها كيانا وسلطانا امتد مئات السنين، وتسرب جماعات عديدة من أرومتها إلى مصر، وغلبة لغتها وطابعها عليها، وقيام معظم أسر الدولة الأخيرة منها خلال خمسة عشر قرنا أي من نحو سنة 2000 إلى سنة 500 ق م على ما قرره المؤرخون والأثريون الذين منهم «جيمس بريستيد» في كتابه: «تاريخ مصر من أقدم العصور» والأثري المشهور «أحمد كمال» في كتابه «الكافي في تاريخ مصر» وغيرهم ... كل هذا دليل حي على ما كان يجري قبلها من تسرب الموجات العربية إلى مصر من طريق الشمال حينا ومن طريق الجنوب حينا آخر.

وإذا كانت السحنة المصرية والمفردات اللغوية المصرية القديمة جعلت الباحثين يرجحون انسياح عناصر إفريقية سوداء إلى وادي النيل منذ الأزمنة القديمة، فإنهم يقررون في الوقت نفسه أن سحنة الملوك والكهان والأمراء والحكام والطبقات الرفيعة والضبغات الصناعية التي اكتشفت مومياؤهم وصورهم وتماثيلهم في مختلف أنحاء وادي النيل، تمت إلى الجنس الأبيض، ومنهم من يقرر صراحة أنها تمت إلى الجنس السامي ـ أي العروبة ـ وأن تلك القبائل السود لم تكن أكثر من قسم من السكان الثانويين، وكل ما في الأمر أنها كانت ذات أثر في تكوين سحنة ولون ولهجة خاصة لسكان وادي النيل نتيجة لاختلاط دمائها ولغاتها بالموجات العربية.

ويؤيد الباحثون تقريراتهم بمقارنات لغوية وفيزيولوجية وتاريخية، ولقد جاء في كتاب: «الأثر الجليل لسكان وادي النيل» للعالم الأثري أحمد نجيب أن من يتأمل في التماثيل المصرية القديمة المحفوظة بدار المتحف علم يقينا أن هذه الأمة من الجنس الأبيض الآسيوي، وأن كثيرا من لغتهم تشابه اللغة العبرانية والآرامية، كما جاء في كتاب «تاريخ السودان العام» للدكتور حسن كمال استنادا إلى البحوث والاستقراآت التي قام بها أن المصريين والسودانيين جاؤوا من بلاد العرب عن طريق الصومال وجاء أيضا أن المصريين لم ينسوا في وقت من الأوقات بلاد السودان التي كانت طريقهم إلى مصر من بلاد العرب الجنوبية التي ظلت معمورة بأقوام من جنسهم المتحد معهم في العادات واللغة والقوانين، وكل ما هنالك أنه طرأ على مصر عناصر زنجية امتزجت بالقادمين من تلك البلاد فاكتسبوا سحنتهم من امتزاجهم بها.

وجاء في كتاب: «تاريخ مصر قبل الفتح العثماني» للإسكندري وسفيدج أن أرجح الآراء أن مؤسس حضارة مصر الأولى التي ترجع إلى ما قبل الأسر الملكية قوم لوبيو الأصل غير أن حضارتهم ليست هي أساس مدنية المصريين الذين تكونت منهم الأسر المختلفة والذين وصلوا بمصر إلى أعظم درجات الرقي وقد ثبت أن هؤلاء الأقوام ساميون قدموا إلى مصر من آسيا ولا يعلم يقينا من أين دخلوا، فهناك من يقول: إنهم دخلوا من برزخ السويس، وهناك من يقول إنهم جاؤوا عن طريق الجنوب. وعلى كل حال فالمعلوم يقينا أن الذين نشأ منهم «ميتا» أول ملوك الأسرة الأولى للمملكة المصرية القديمة كانوا قبل ظهوره يقطنون الجهة الجنوبية من مصر، وإن ما يدل على أن أجدادهم من الساميين أن أقدم ما وصل إليه يغلب فيه العنصر السامي.

وجاء في كتاب «تاريخ مصر من أقدام العصور» لبريستيد وهو من مشاهير علماء الآثار المصرية والتاريخ المصري (1) أن جماعات من الليبيين والجالا والصومال كانوا يطرأون على مصر منذ أقدم الأزمنة وأن المعروف إلى هذا أن أقواما ساميين من عرب آسيا طرأوا على وادي النيل وعمموا لغتهم فيه وصبغوه بصبغتهم كما هو ظاهر من النقوش المصرية القديمة، وأن لغتهم حافظت على ساميتها مع مرور الزمن بالرغم من تغيير وتحريف باختلاط السكان، وأن تاريخ الهجرات السامية الأولى يرجع بلا مراء إلى ما قبل العصور التاريخية الأولى، وأن من الثابت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت