فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 5287

أن هذه الهجرات تكررت مرارا في العصور التالية، وأنه إذا كان من الصعب معرفة الطريق التي سلكوها فالأقرب للذهن أن يكونوا أتوا من برزخ السويس كما فعلت العرب في بداية الإسلام.

ولقد نبه البحاثة الشهير"جبرائيل هانوتو"في مقدمة كتابه:"تاريخ الجنسية المصرية"التي عقدها على بحث أصل سكان مصر ومحنطات ملوك مصر منذ أقدم الدولة الأولى وما بعدها والأسلاف الذين انحدروا منهم والذين طرأوا على مصر من شمالها الشرقي ومن جنوبها الشرقي وإن كان أضاف إلى هذا أن الدم المصري مزيج من عناصر سامية وإفريقية وأوروبية من سكان شواطئ البحر الأبيض.

ولقد قال العالم الأثري الفرنسي"ويجيل"في كتابه"تاريخ مصر القديمة"إن الساميين هم أصل سكان مصر، وأنه كان منهم قبل الأسرة الأولى من الدولة الأولى ستون ملكا، واستمر حكمهم أكثر من ألف عام.

وقال"غوستاف جيكي"أستاذ الأثريات المصرية في كلية"نيوشايل"في كتابه:"تاريخ المدينة المصرية"إن سكان مصر القدماء جاؤوا إليها من جزيرة العرب قبل ستة آلاف سنة، وإن الأسر الفرعونية الأولى من هؤلاء القادمين. ويقرر العالم الأثري المشهور"أحمد كمال"إن أصل اللغة المصرية واللغة العربية واحد، وإن الاختلاف الظاهر بينهما ليس إلا نتيجة لإسقاط بعض الكلمات في بلاد العرب وبقائها في وادي النيل أو العكس، ثم نتيجة لما يعتري الكلمات من القلب والإبدال، وما يطرأ على اللغات من تغير من معاملة الأجانب. ولقد وضع هذا العالم قاموسا أثبت فيه اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين المصرية القديمة والعربية كدليل ما قرره.

و"غوستاف لوبون"هو الآخر يقرر أن"كل جذور اللغة المصرية القديمة ومعظم قاموسها القديم لم يتركب من عناصر سامية حتى أجروميتها أي صرفها ونحوها فيما يتصل بتركيب المؤنث والمذكر والجمع، والكلمات الدخيلة على الأصل السامي ترد إلى الجنس الأسود الذي طرأ على مصر في بعض الظروف".

ويقرر الدكتور حسن كمال أيضا أن المصريين القدماء هم من بلاد العرب الجنوبية نزلوا إلى شواطئ إثيوبيا ثم تقدموا نحو الشمال حتى دخلوا بلاد مصر، وبسبب ذلك يقول الإثيوبيون: إن مصر من مستعمراتنا، على اعتبار أن سكانها القدماء جاؤوا من ناحيتهم.

والذي يستعرض آلاف القرى والمدن والأعلام القديمة في كتاب «الخطط التوفيقية» لعلي مبارك يلمس اللمحة العربية القديمة بين مصر القديمة والعروبة.

وإذا كنت قد اهتممت لإيراد أقوال الباحثين والمؤرخين والأدلة على صلة مصر القديمة بالعروبة دون أن أهتم كثيرا ببلاد العراق والشام فذلك بسبب كون صلة سكان هذه البلاد مما هو مسلم به ومستقر في الأذهان، وقصدي من ذلك إحباط مكر أعداء العروبة من شعوبيين ومستعمرين ومبشرين ومغرضين وصنائعهم الذين تتجاوز مكابرتهم كل منطق فيتجاهلون ويكابرون كل ما سجلته الآثار المصرية القديمة من محاولات التسلل العربي إلى مصر من شمالها وجنوبها، ومن نجاح كثير من هذه المحاولات على شكل واسع حينا وضيق حينا آخر، ويتجاهلون كذلك السيل العربي الصريح الذي أخذ يتدفق على مصر منذ الفتح الإسلامي إلى الآن عن طريق الجنوب أو الشمال دون انقطاع، ويغمر مدنها وقراها وصحاريها والذي تفوق أعداده أعداد سكان مصر قبل الإسلام أضعافا مضاعفة، والذي يتمثل في كل ناحية من أنحاء مصر وفي كل مظهر من مظاهر حياتها وتقاليدها ولغتها تمثلا شاملا قويا، واستمرارا لما كان يجري قبل الإسلام ودليلا حيا دائما عليه بقصد فصل تاريخ العرب ليوقروا في أذهان المصريين وهن الصلة بينهم وبين العروبة ويجعلوهم يعتبرون العرب الذين جاءوا هذه المرة تحت راية الإسلام غزاة كسائر الغزاة الذين طرأوا على مصر ووطدوا حكمهم فيها بالقوة العسكرية برغم ما هنالك من فرق وهو أنهم أعطوا مصر دينهم ولغتهم، حتى لقد جاء وقت حاربوا فيه مظاهر العروبة أشد المحاربة وحاولوا أن يجعلوا النعرة الفرعونية أصلا في الحياة المصرية بزعم أنها تطغى مع الزمن على النعرة العربية الإسلامية، ودعوا إلى نبذ اللغة الفصحى والاكتفاء بالعامية ذهابا منهم إلى أنها سوف تتطور حتى تبتعد عن أصلها وتغدو لغة خاصة فتنقطع بذلك الصلة بين مصر والعروبة كما يزعمون. ولكن مزاعمهم وجميع مساعيهم أحبطت كلها، والأحداث الحاضرة دليل على ذلك كما أن التاريخ القديم والحديث يدلان على ذلك.

«يتبع»

(1) هذا الكتاب ترجمة الدكتور حسن كمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت