فهرس الكتاب

الصفحة 985 من 5287

ومن الجانب الآخر، زجاجات الفودكا، وعلب الكافيار والسمك المجفف وهكذا .. وتستمر هذه المعركة الدامية ساعة الزمن، إلى أن تتضعضع فيها قوتهما، ويفقدان القدرة على الكلام والحركة وتضعف قوة التفكير.

وهنا ترتفع الأصوات مطالبة بإنهاء المباراة، رحمة بالخصمين، ولكن الحكم يرفض في إصرار وعزم، ويصر على أن تستمر المباراة إلى نهايتها مهما كانت الظروف، لأن القانون الرياضي لا رحمة فيه، ولأن من جهة أخرى ينفذ قرار هيئة الأمم المتحدة، الذي صدر بإجماع الأصوات، ولأنه ينبغي على الأعضاء أن لا يتراجعوا وينقضوا قرارا لم تجف كتابته بعد، وهو قرارهم هم أنفسهم .. فيقول أحد الأعضاء: ـ كلامك من الوجهة الإنسانية، وأقول الإنسانية، فإن التشريع الوضعي والسماوي أيضا يترك دائما فجوات من النور، للتنفس، وللخروج من الضيق عند اللزوم، تلكم هي منافذ الرحمة المفتوحة، على أنه أيضا من الناحية العملية يستحيل الآن تطبيق وتنفيذ الهيئة، لسبب وجيه، ذلك هو عجز الخصمين عن الحركة والمضي إلى النهاية في المعركة، وفاقد الوعي لا حكم عليه، هو والمجنون ....

فيرد الحكم: هذا صحيح، ولكن لا يمنع هذا العارض الطارئ من الاستمرار في المباراة، ولو في شكل من الأشكال، إلى تمام الساعة المحددة لإنهائها، ولو بإشارة واهنة من الخصمين، أو بالسباب بتعبيرات الوجه، والعين والفم .. ومع ذلك فيبدو لي مهما من عدة وجوه، أن أخضع لرأيكم وأوقف المباراة مؤقتا، على أن يظل الخصمان في مكانيهما، لحين إصدار التعليمات، وفي هذه الأثناء سأعطيكم فرصة للحديث في هذا المشكل القائم الآن، والذي اعترف أنه مشكل قائم فعلا .. فأمامكم الآن نصف ساعة من الزمن، لإبداء الرأي ..

ينهض رجل رقيق البنية، اسمر اللون، عليه سيماء الحكمة والتواضع، ينهض في ثيابه البيضاء ويطلب الكلمة يلمحه، فيحييه برأسه، ويأذن له .. إنه «نهرو» وقد وضع يديه تحت صدره وبدأ بتحدث: أولا ما يدور بخلدي أن أقول ابتداء، هو تقديم التهنئة لأخينا القرود، على ما أسداه من خدمة جليلة لصالح السلام العالمي على أسس راسخة من العدل الإلهي، وعلى تجربة فريدة في نوعها، أن هي جاءت بالنتيجة الإيجابية فسوف تغير من مجرى تاريخ البشرية، وتخلقه خلقا جديدا، وأرى أن نقر أسس هذه التجربة، ونبني عليها قواعد لسياسة إيجابية، نحميها بجميع الإمكانيات من القوانين التشريعية والتنفيذية، وبمقدرات جميع قوتنا الروحية مهيبين بضمير العالم أن يقف بجانب السلام.

ولعله يمكن القول من الآن أنه إذا ما تعطلت قوة الخصمين إلى أجل غير مسمى، أو تعطلت بالمرة فإن ذلك يعد انتصارا لقضية السلام، وبالتالي لن يجرؤ مسئول بعد الآن على الحديث عن الرحب، وإقلاق العالم، لأنه يعرف مقدما أنه سيساق إلى ساحة العدل هذه، إذا هو هدد أو انذر، وأقلق راحة الآمنين، فمصيره هو ما شاهدناه اليوم، فالعضو الفاسد، يجب أن يبتر لصالح سلامة بقية الجسم، وهذه قاعدة يعرفها علم الطب، يعرفها الزارعون. فالذين يدعون للحرب، يجب أن نشق بهم الطريق الذي كانوا يحرفونه للبشرية، لذلك يجب الاحتفاظ بهذه القاعدة كأساس سليم للمحافظة على سلامة البشرية، على أنه من جهة أخرى، إذا فرض واسترد نأتي بهما مرة أخرى لساحة العدل، للدخول في مباراة تكون أشد وأفظع وأطول زمنا من الأولى، وإذا قدر فشلت التجربة، كغيرها من التجارب، فعلينا إلا نستسلم مطلقا لليأس، فسلامنا على هذه الأرض بتوقف على المحافظة على هذا السلام .. ثم ينتهي «نهرو» ويحي الحاضرين على الطريقة الهندية، بوضع اليدين أمام جبهة الوجه ويجلس ..

ثم نرى شخصا آخر يرفع يده مستأذنا في الكلام فيأذن له الحكم، إنه وزير خارجية المعرب، ها هو يقول: ـ يجدر بنا، ونحن نتشوق والعالم أجمع، لإيجاد وسيلة إيجابية لإقامة سلام دائم أن لا نعطي أهمية للرأي القائل بإنهاء المباراة، شفقة بالخصمين، فلنحذر أن نأخذ محاولة كهذه بذرة من التسامح، على أنه من جهة أخرى لا يبدو لي أن بوسعنا إذا تضرعنا بالحق كله، وبالعدالة كلها، والانتصار لأحد الخصمين على الخصم الآخر .. ولكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت