فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الجوانب، فالشاعر عندهم لابد أن يكون مقلعا عن تعاطي أي شيء، ولابد أن يكون في حياته بلهوانيا متزلفا للغرائز الخاصة في أبياته. وإلا فهو كل شيء إلا أن يكون شاعرا، وقد رفض العرب أن يعترفوا لشكيب أرسلان والرافعي والعقاد وأبي شادي، وكل ذنبهم أنهم يفكرون ويكتبون ويخوضون الحياة كما يخوضها غيرهم، وأنت إذا نظرت لأسماء الشعراء الذين نالوا التقدير في العالم العربي لن تجد منهم أحدا اشتغل بغير الشعر ثم عدة النقاد العرب في الدرجة الأولى، فأبدا بأمرئ القيس والبحتري وأبي تمام والمتنبي، وانزل إلى حافظ وشوقي والرصافي وغيرهم، هؤلاء شعراء بدون شك، وإما ابن العميد والصاحب والاصبهاني وابن حزم وابن عبد ربه والمعري، ومن ذكرنا معهم أنفا من المعاصرين، فهم ممن لهم نصيب في الشعر ولكنهم كتاب ونقاد وعلماء، أليس من حق طلبة الباكلوريا المغاربة أن يدركوا هذه الحقيقة ليتحرروا من الجمود في تقدير الشعر واعتبار مقاييسه. فانظر للغرب كيف يقدر الشاعر ولو كان عالما أو مجاهدا أو خطيبا، فالشيلي ولامارتين وفيكتور هيجو وبول فاليري كلوديل وبرنارشو وغيرهم كلهم من قبيل الشعراء الممتازين كما أنهم من قبيل المجتهدين ورجال السياسة.
1)ما دام الأستاذ يتحدث لطلابه عن الشعر ويبين لهم المحاسن والأضداد، فمن حق طلبته عليه أن يرفع عنهم الوهم الشائع عند رجل الشارع، وهو أن الشعر لا يعني إلا أن يكون غنائيا وجدانيا انفعاليا. فالقصيدة التي تتناول التاريخ أو الملمحة والشعر البطولي والمتحدث عن ذكريات الكفاح والدعوة للنهوض ومقاومة الاستعمار والتيارات الرجعية، والدعوة للثورة على البالي وبعث الروحانيات والدفاع عن المرأة والفلاح والعامل، والحديث عن الشعور الوطني، كل ذلك ليس بشيء غير الخطابة في نظر هؤلاء الناس، إن شعارهم قول الابيوردي:
خلت الديار فلا كريم يرتجي منه النول ولا مليح يعشق
إنما الشعر عندهم الذي يتحدث عن العيوب النائمة، والثدي الخذروف، والخصر المعقوف، وقزقزة اللب والفستق، وما إلى ذلك مما هو تقليد مسف لأحط أنواعا لشعر عند الغرب، وليست أعني بهذا مقاومة الرومانيتيقية ولا المساس بالشعر الرمزي، ولاكني أريد التذكير بأن شعر الإنفعال ليس هو كل الشعر، ولا أن بحوره كل البحور.
2)وبعد هذا يصح لما أن نتناول مع الأستاذ في إيجاز حديث الإتباع والإبداع، فالاصطلاح قبل كل شيء غربي، أدت إليه ظروف الأدب الغربي في تطوراته المختلفة، ولكن لا غضاضة من محاولة تطبيقه على الشعر العربي، بشرط أن يكون الإبداع العربي شيئا غير تقليد المدارس المختلفة عند الغرب، فقد قامت الكلاسيكية الغربية على أساس التعريف الذي أعطاه سقراط وأرسطو والكلاسيكيين يعني محاكاة الطبيعة وما حواليها، وقد تطورت المحاكاة إلى أن أصبحت اختبارا في مرءاة المثالية حسب تشبيه أفلاطون، ثم قامت مدارس لتزييفها ونقدها، ولكن هذه المدارس كلها كانت ثورة لحساب الشعر الغنائي، ولم يكن ثورة تلقائية في الفكر الأوروبي، ولكنها كانت إقتداء بالشعر الغنائي العربي وخاصة التلقائي منه، فقد كان أول من دعا لهذه المدرسة رجل اتصل بالشعر العربي ومجده، وهو السير (ويليام جرنر) .
عرف (ورد زوت) الرومانيتيقية بأنها «فيض تلقائي لعواطف قوية» وإذن فهي في واقع الأمر محاكاة، لأنها تعبير عما في الداخل، وذلك ما تختلف به عن المدرسة الإتباعية، والتعبير ليس وصفا، فإذا قلت عن شيء مهيب، أنه مرعب، فقد وصفته ولم تعبر عنه، ولكن يجب أن تعبر عن نوع العاطفة التي تجدها نحو ذلك الشيء، أي العاطفة الخاصة لا التي تشرك فيها العموم.
وإذا نظرنا للشعر العربي عامة، وجدناه كلاسيكيا في مجموعه، يسلك طريق الاعتدال في التعبير ولا يبالغ في الاستعارة والخيال، ومع ذلك فإن الرمانيتيقية تجلت طاغية في العصر الأموي بفضل الأثر الإسلامي الذي خلق شعراء الشيعة والعذريين والصوفية الذين يبكون على أنفسهم وينشدون الخلاص في عالم روحاني، وقد استمرت هذه الروح إلى عهد الشعر الصوفي الذي يتجلى في شعر المحبة والتوسل عند ابن الفارض والبوصيري وابن عربي وأمثالهم، وهذه الرومانيتيقية حينما تظهر في لونها الجديد عند شوقي ومحرم والأخطل الصغير وآمين نخلة وشاعر الجبل، تحتفظ بطابعها المليء بالاستعارة والخيال، ولكنها تبدو في شكل أقوى لغة أمتن، فيختلط الأمر على بعض النقاد الذين يظنون أن هؤلاء بحكم أنهم من المدرسة الكلاسيكية أبعد ما يكنون عن الرومانيتيقية والحق أنهم إبداعيون ولكن من درجة أرقى أسلوبا من ابن الفارض وابن عربي.