فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 5287

إذ العادة بأن يقال (لا يقرأ له حسابا، ولا يعيره إلتفاتا) فاستعمال كلمة الإعارة مع الحساب قصد به معنى بياني، وهو الإشعار بالاهتمام الفكري من جهة والالتفات المادي من جهة أخرى، ولما كان الفعل مضمنا معنى (لقراءة) ألاىاكان لابد أن يأتي الشاعر باللام قرينة للدلالة على ملاحظة الفعل الآخر، وأمن اللبس.

وهذا مثل ما يقرأه المؤمنون حين يرفعون من ركوعهم: سمع الله لمن حمده. ففعل (سمع) يتعدى بنفسه، ولكنه لما تضمن معنى (استجاب) أتى له باللام قرينة دالة.

ومنه قوله تعالى ردف لكم بعض الذي .. ) فقد ضمن «ردف» معنى «اقترب» فعداه باللام. وقوله تعالى: (يهدي) معنى (يبين) أو (يتضح) فعداه باللام.

وقوله تعالى: (يخالفون عن أمره) ضمن (يخالفون) معنى (يعدلون) .

وقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) فقد ضمن الفعل معنى (وجه) أي أفلا توجهون النظر إلى الإبل.

وقوله تعالى: (يغفر لكم ذنوبكم) فهي عندي من باب تضمين (الغفران) معنى (التطهير) أي (يطهركم) من ذنوبكم، فلا يكون هناك افتراق بينه وبين قوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا، خلافا لما تحمله البغداديون ومن بعدهم من النحاة.

ومن شواهد هذا الباب من كلام العرب قول (ابن ميادة الرماح) يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان:

وملكت مابين العراق ويثرب

ملكا أجار لمسلم ومعاهد

(وأجار) يتعدى بنفسه وضمنه معنى فعل الإجارة فجاء باللام. وقول حميد بن ثور:

أبى الله إلا أن سرحه مالك

على كل أفنان القضاة تروق

زاد (على) مع أن (راق) تتعدى بنفسها لأنه ضمن الفعل معنى (أشرق) .

وقال الشاعر:

وأن تعتذر من ذي ضروعها

إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي

ضمن (يجرح) معنى يؤثر بالجراح فزاد (في)

ب ـ ثم يقول الناقد (وأحيانا أخرى يخاصمها ـ حروف الجر ـ فيقول: فما يحتاج واسطة، بدل فما يحتاج إلى واسطة، ويقول وضحى العرش، في حين يتعدى الفعل بالباء في نفس هذا المعنى) . ومعنى هذا إن الأستاذ لا يجيز حذف الأداة وإيصال الفعل ولو على طريق التضمين لإعتبارات بيانية، وهو غلط منه كما سأفصل لك بعد.

فالفعل «أحتاج» في قولنا (فما يحتاج واسطة) تتضمن معنى يترتب عليه وهو (الطلب) فتعدى بنفسه، ولو قلنا فما يحتاج إلى واسطة، لكانت هنالك جملة مقدرة إذ يكون المعنى هكذا: فما يحتاج الإنسان في طلبه من الله إلى واسطة، مع أن المعنى المقصود أن الله سبحانه لا يتوقف دعاؤه على استعمال واسطة. ونفى الاحتياج هنا الله لتنزيهه عن شرك الذين يقولون: (ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى) .

وأما قولنا (وضحى العرش) ولم نقل (ضحى بالعرش) فإن التضحية في أصل معناها اللغوي لا تعني ما استعملت فيه على السنة المعاصرين، وإنما صح استعمالها لتضمينها معنى (البذل) ، ولو كان هذا المعنى العصري مقصودنا لعدينا ضحى بالباء أو بنفسها على السواء، لأنها تتضمن معنى بذل العرش في سبيل وطنه، أي أعطاه، ولكننا أردنا تضمينا آخر، وهو فعل (فدى) من الفداء، لأن الواقع أن الملك بذل عرشه في سبيل وطنه، وفدى وطنه وعرشه بتقديم نفسه للنفي والأبعاد، وقد أدرنا أن نثير كل هذه المعاني في نفس القارئ، وتلك هي الاستعارة التخييلية التي تستعمل في مثل هذا المقام.

وقد ورد هذا الاستعمال كثيرا في القرآن وفي كلام العرب، ومن الأول قوله تعالى: (لأقعدهن لهم صراطك المستقيم) فقد ضمن (أقعد) معنى (ألزم) أي لألزمن صراطك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت