فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص 25

الجهال، ونسبوه إلى أشياء هم أحق بها ... وقد أدى بعض (كذا) المتأخرين في سوء الثناء عليه حتى نسب إلى معتقده سوءا ... وربما كذبوا عليه في أشياء نسبوها إليه إفكا وزورا، ثم إنهم لعنوه عليها إفكا منهم وغرورا، وبهتانا ومحض تقول، قال: وقد أثني عليه جلة من أهل الفضل والخير والدين، من أهل المشرق والمغرب ... ) ثم قال:

وبالجملة فإنه إذا تأمل العاقل النبيه، السالم الفطرة من التعصب والهوى، حال الإمام أبي محمد رحمه الله وتأمل أقوال المتكلمين فيه، وجدهم على قسمين:

إما جاهل مفرط الجهل، يسبه ولا يدري ما كان عليه من الشدة في الدين والمحافظة على اتباع السنن والحض على ذلك، فهو يسبه ولا يدري ما يلزمه في دينه من ثلب امرئ مسلم من أكابر أهل العلم قد لحق بربه.

وإما رجل رقيق الحياء، قليل الدين، ينال منه تعصبا لأهل مذهبه أو غير ذلك، لينال من دنياه ما أحب ... قد اعتاض عما عند الله تعالى بأن يقال عنه إنه كان ناصرا لمذهب كذا، مصمما عليه، وهو يدري أن ما ناله من أبي محمد -رحمة الله عليه- لا يجوز عقلا ولا شرعا- إن كان مصدقا بالشرع).

ويتصدى ابن خليل في الفصل الثالث للدفاع عن ابن حزم فيما أخذ عليه من سلاطة لسانه وإقذاعه في سب مخالفيه، فيقول:

(إن أكثر من أثنى على أبي محمد رحمه الله - وأخذه في شيء، وهو أنه أطلق لسانه وقلمه على قوم من المتعصبين بالثلب والسب، والنيل منهم، وكأنهم رأوا هذا خطأ، وأنه أتى ما لا يجوز فعله، وعيب عليه ذلك في تصانيفه، قال: وأنا أقول: إنه ليس خطأ، بل هو قربة إلى الله تعالى، وجهاد فيه، وزين للتأليف.

وبيان ذلك أن الخلاف لما وقع بين السلف الصالح -رضي الله عنهم- لم يقدح بسببه بعضهم في بعض، ولا عادى عليه أحد أحدا، بل قد يوجد بين رجلين منهم الصحبة المؤكدة والخلاف في مسائل كثيرة، لأنهم كانوا لا يراعون في ذلك إلا وجه الله تعالى.

ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا طلب العلم سببا لنيل دنياهم، ومرقاة يبلغون بها من الترؤس مناهم فتعصب قوم لقوم عمل أهل الدولة في ذلك العصر بقولهم، أما وفاقا لمن تقدم، أو استحسانا منهم لذلك، فبالغ هؤلاء في التعصب لأقوالهم).

وبعدما استدل على ذلك بضياع مذاهب لم تحظ من تأييد الدول بمثل ما حظيت به مذاهب أخرى، أشار إلى قبح ذلك التعصب وحرمته شرعا وعقلا ... وقال: وربما يكون في بعض المواضع ردة عن الإسلام!! ... وذلك أنهم يعترضون على (كتاب الله) تعالى، وعلى الصحيح من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قد روا عليه من أنواع الاعتراضات: فيحرفون الكلام عن مواضعه -قصدا-، ويمزقون (كتاب الله) تعالى تمزيقا باردا، ويتحكمون فيه تحكما فاسدا، ويعرضونهما على كلام من قلدوه، فما وافقه منها أخذوا به، وما لم يوافقه منها نبذوه بالعراء، وقابلوه بالرد والتحريف، والحمد لله تعالى على السلامة مما ابتلاهم به، ومما وقعوا فيه.

فابن حزم يرى في مذهبه -يقول ابن خليل- أن تلك المقولات منه مجاهدة شرعا، ويحتج على ذلك بحديث: من رأى منكم منكرا فليغيره ...

ثم يضيف ابن خليل إلى ذلك: (أن الحق فيمن علم الحق وعند عن قبوله من هؤلاء أن يجالدوا عليه بالسيوف! وتحرق كتبهم المضلة التي ليس فيها لرسول الله ذكر، إلا آراء مجردة عن الاستدلال بالكتاب والسنة -حتى يرجعوا عن هذه المقاصد الرذيلة، والأغراض المعبودة، كما فعل بعض من ولاه الله من أقطار أرضه أمرا، فجزأه الله خير الجزاء، فمن لم يقدر على ذلك فغرضه -على رأي أبي محمد- أن يجاهدهم بلسانه كما فعل هو) .

ومن الواضح أن ابن خليل يشير في عبارته هذه إلى ما وقع في الأندلس والمغرب من حرق كتب المالكية أواخر القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، على عهد يعقوب المنصور الموحدي، الذي ملك فيما بين (580/ 1184 - 595/ 1198) وهو حادث عاصره -غالبا- عبد الملك بن خليل البلنسي، الذي لم نستبعد أن يكون هو أباه.

ويتصدى ابن خليل في الفصل الرابع للنضال عن أبي محمد في تخطئته من خطأ من السلف الصالح رضي -الله عنهم- فليست التخطئة نيلا منهم، ولا يعدها نيلا منهم إلا جاهل أحمق ....

وإذا قال قائل عمن أخطا في شيء -وهو ممن يجوز عليه الخطأ-: قد أخطأ، فهو إخبار بحق وصدق ولو قال غير ذلك لكان كاذبا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت