فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص6

الكلام حسب قواعد المنطق (13) ، ولإدراك روح الغزالي يجب أن نهتم بهذه المقدمات وأن لا ننسى محتوياتها، وكذلك للحكم على (تهافت التهافت) لابن رشد، لأن الغزالي بين في هذه المقدمات المصادر المهمة لانتقاداته (14) ولم يزعم قط بأنه يعطي فيما يرجع للدين حججه البرهانية بعد أن أعطى الدليل على أن الفلاسفة لا يملكونها.

وبناء عليه فلا موجب لكون (مهران) لا يعطي أهمية لهذا المقدمات (15) ويقبل موقف ابن رشد الذي يرى إبقاءها جانبا، على أننا سنرى أن ابن رشد كان بعيدا عن فهم مقدمات الغزالي حتى لا يعتبر محتوياتها، وليس في كتاب تهافت الفلاسفة مكان يسمح لمهران أن يفكر كما يلي: (لقد تخيل الغزالي أنه أوضح نظرياته السنية على أساس حجج فلسفية(16) بينما كان ابن رشد محقا حينما اعتبر بعض حجج الغزالي جدلية وصورية، وليست برهانية)، لأنه ليست لهذا أهمية خصوصية بالنسبة للغزالي، لأن هذا الأخير لا يدعي أنه يعطي حججا برهانية.

إن الغزالي يرى، معتمدا فقط على فكرة ضرورة قطع تسلسل لانهائي للعلل، أنه ليس ممكننا أن ننقص من اختصاصات (الفاعل) الذي يجب أن يقطع هذا التسلسل، وهكذا أثبت باعتماده على هذا الدليل أنه ليس للفلاسفة أدلة برهانية على مسائل: توحيد الله وعدم تركيبه ولاجسميته، وصفاته، ولا سيما صفة وجوده في كل مكان، بل إنه أثبت عدم ضرورة قطع تسلسل العلل بواسطة فاعل، كما سبق أن فعله الماديون، كما أثبت أنه ليس للفلاسفة حجة برهانية على قدم العالم وعلى رأيهم في الروح والسماوات (17) وقد عرف كيف يبرر الخوارق حينما ميز بين المستحيل العادي وبين المستحيل العقلي، كما نبه إلى أن علاقة العلة بالمعلول ليست لازمة، ولكنها عادية، فمن الحق أن نقول: إنه كان سلف (هيم) (18) .

وبهذا كان له فضل في إقامة الحجة مع حرية كبيرة في البحث على أن القياس الذي عرضه ابن سينا لحل مسائل الديانة الإسلامية كثيرة إلاهمية ليس قياسا نافعا، نظرا إلى أنه من جهة يتنافى مع الدين حينما يدعي خلود العالم وينكر المعجزات وعلم الله بالجزئيات، ومن جهة أخرى يتهافت مع نفسه في مسائل القدرة على الإدراك والروح والعلوم الإلاهية، وبما أنه قد عالج هذه المسائل بناء على المبادئ الأعم من العقليات فقد كان جديرا أن يعتبر فيلسوفا حقيقيا، وحينما يقابل أيضا بديكارت يعتبر أحيانا من الثائرين على المدارس الرسمية، وبهذا الاعتبار يمكن القول بأن حكم أ. م. بوجتنوف على الغزالي بأنه (فيلسوف رجعي) ليس حكما علميا، فثورته تظهر لا في شكل بحثه القضايا فقط ولكن حتى في أسلوبه الذي يصل بالمسائل إلى مداها، ولو كانت النتيجة ضد الدين تماما، مثلا: حينما عالج مسألة وحدة الله وصفاته على شكل مشرك، أو مسألة خلود العالم على طريق ملحد، فقد عرف أن يتعدى بهذا البحث الحر معلومات المبادئ الأساسية الأرسطوطاليسية، ونقده (للطبع) الذي هو أساس علم الطبيعة الأرسطوطاليسية أدى إلى هذه النتيجة، وهي أن علاقة العلة بالمعلول ليست لازمة، ومن جهة أخرى فقد عرف كيف يقترب من المنطق العصري حينما اعتبر الممكن منفصلا عن المادة، كشرح عقلي لا يعني عكسه التناقض، كما عرف كيف يقترب من الهندسة العصرية حينما تحدث عن المجال خارج المادة، وأدق نظرياته العقلية رأيه عن إرادة الله التي عبر عنها بما يأتي: (لا يقدر الله على عمل إلا إذا لم يكن مستحيلا) (19) ولكن

(13) الغزالي: تهافت الفلاسفة ص 5 - 6 - 9.

(14) كان مينك MUNK الذي فهم الغزالي، على حق حينما انتقد شمولديرس

انظر: مزيج من فلسفة اليهود والعرب ص 372 باريز 1859.

(15) مهران، درس لفلسفة ابن رشد وصلتها بابن سينا والغزالي بعثة الشرق 1887 - 1888 ص 622.

(16) للمناقشات التفصيلية انظر التهافت ص 144 - 193 - 221.

(17) (ابن رشد والرشدية) لرينان ص 89 ط بسيشاري باريز 1949 كالمان ليفي، وإبراهيم مذكور: مكان الفارابي في مدرسة الفلسفة الإسلامية ص 54 باريز 1934 الدار الجديدة. وقادري: الفلسفة العربية ص 123 - 135 وصلبية: الغزالي وزعماء الفلاسفة صحيفة 412.

(18) التهافت ص 293 ويجب التنبيه إلى الفرق الكبير القائم بين الغزالي وبين الرشديين المسحيين في القرن السادس عشر الذين يقبلون النظرية الإرادية التي تقول بإمكان الإلاه أن يجعل المستحيل ممكنا، وعليه فيمكن وقوع الشيء وضده في آن واحد، وانظر ساسان في: سيجرد وبربان وعقيدة (ازدواج الحقيقة ص 179، مجلة المدرسة الكلامية الجديدة للفلسفة Neoscolastique

(19) التهافت ص 65 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت