فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص8

كوجود إلاه واحد وخلود العالم، والروح، ولم يعط وسيلة لنقل أفكار أرسطو إلى معطيات الوحي دون الوقوع في تناقض، وحينما فر من مسألة التوفيق حاول أن يقول: (إن الحجج البرهانية توجد في كتب أرسطو فيجب الرجوع إليها) وحينما قال: (فيما يخص المسألة الدينية نقط لا يستطيع العقل إدراكها) فقد قبل رغما عنه أساس انتقادات الغزالي، وإذن فليس من الممكن قبول حكم جوتيير (لقد قدم ابن رشد كتاب تهافت التهافت كدفاع مسند، ضد الغزالي ولفائدة مذاهب الفارابي وابن سينا(24) ، وهكذا لا يكون كتاب ابن رشد في الحقيقة كتاب (تهافت التهافت) ، لقد انتقد ابن رشد الغزالي بحق، لأنه لم يعطنا معيار علوم Epistimologie لما يتعلق بإرادة الله وبإيجاد المعدوم ولكن من العدل أن نعترف بأن الغزالي لم يدع أبدا أنه أدلى بأدلة برهانية على هذا الموضوع.

لم يستطيع ابن رشد في أثناء دراسته الخروج عن علوم أرسطو في نظرياته عن الطبيعة والمعجزة والمجال والأزمنة، ورغم انتقادات الغزالي فقد بقي متعلقا ببعض نظرية أرسطو وبإمامة أرسطو نفسه وقد جاء ببعض الآيات القرآنية لتوضيح بعض المسائل كتعدد الإلاه ومعنى الروح ومصدر نظرية (الطبع) (25) ولكنه نبه على أن بعض نظريات أرسطو أولت على غير معناها عند الغزالي أو حتى ابن سينا، وقد دافع عن نواميس الكون وكذلك عن مشروعية العقل والعلم إزاء إرادة مطلقة، معتمدا على فكرة (الطبع) ولو لم تكن لهذه الفكرة قاعدة منطقية، وقد جاء بانتقاد عادل لزعم الغزالي: (يمكن للمكن أن يصبح مستحيلا) ولتتويج الكل قال: (إن الفلاسفة جديرون بالاحترام لأنهم يبحثون عن الحقيقة وإن لم يملكوها بعد) .

ويتخلص مما ذكرناه أن ابن رشد أخذ في (تهافته) المواقف الثلاثة الآتية:

1)زعم أن النظرية الأرسطوطاليسية (قالب) مقبول لتبيين الدين.

2)رفض نظرية إرادة الله كما عرضها وحددها الغزالي.

3)عوضا أن يقدم لنا (قالبا) مقبولا للدفاع عن الدين، منع أن يبحث أمر الدين أمام الجمهور وأمر بقبول تعاليم الدين كما هي.

ولا يمكننا أن نشرح هذه الجوانب غير المتماسكة من تفكيره بالنسبة لغايته إلا إذا راعينا نظريته في (ازدواج الحقيقة) .

يرى ابن رشد أن التفلسف واجب بمقتضى شريعة الإسلام، والفلسفة هي أخت الدين، والفلسفة حقيقة، والدين كذلك حقيقة، وفي الواقع هذه الحقيقة المزدوجة مكونة من جانبي حقيقة واحدة (لأن الحقيقة لا يمكن أن تكون ضد الحقيقة) فإذا كانت الآية القرءانية الصريحة تمس جوهر الدين فمن الممنوع قطعا تأويلها، فإذا كانت لا تمسه، فمن الواجب على ذوي الحجة البرهانية أن يتأولوها، بينما من الممنوع قطعا على ذوي (الحجة الجدلية) أن يفعلوا، كما أنه من الممنوع على البرهانيين أن يذيعوا تأويلهم على الجدليين)، ولا ينبغي أن يتحدث للجمهور لا على التأويل الحق ولا على التأويل الباطل (26) والحق أن ابن رشد في كتابه (فصل المقال) حل مسألة العلاقة بين الفلسفة وبين الدين بصفة واقعية كما سبق أن قاله جوتيير (27) وإن كان ابن رشد في هذا المؤلف يلح في التوفيق الضروري بين الفلسفة وبين الدين، ونستطيع أن نتساءل: هل وصل لذلك؟ ويجيب جوتيير بأن ابن رشد، حينما يكون مفوضا FIDEISTE أمام الجمهور وعقليا أمام الفلاسفة، يرى علاقة إيجابية بين الدين والفلسفة، ولكن جوتيير لم يضع مسألة ما إذا كان ابن رشد قد وفق من جهة النظر الفلسفية الأرسطوطاليسية مع الديانة الإسلامية؟ وإذن فقد كان من المنتظر أن يمس هذا الجانب من الموضوع.

ويظهر من الكلام الثاني لجوتيير أن ابن رشد يميز الفلسفة من الدين عوض أن يوفق بينهما وها هي: (النصوص الجديدة لابن رشد تظهر بوضوح أن غاية الدين ليست من النوع النظري ولكن من النوع الاجتماعي

(24) من هذه الجهة لم يبالغ ابن سبعين حينما انتقد ابن رشد، انظر ماسينيو: ابن سبعين والنقد النفسي في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وروجيير في: (الفلسفة الكلامية والطومية ص 346 - 348، ومعقولية ابن رشد من دراسة للخلق ص 55 نشرة الدراسة، المشرق، دمشق 1954) فقد أشاروا بنفس التلميح لعمل ابن رشد العقلي، وعليه فليس من الممكن أن نقبل رأي هوار HUART الذي اعتبر ابن رشد (كأعظم وجه مدافع عن حرية البحث ضد الغزالي) ، انظر الجريدة الأسبوعية 15 المجموعة العاشرة 1910، ص 355 - 357.

(25) تهافت التهافت ص 520.

(26) فصل المقال ص 8 - 19 - 21 - 32 وبهذا الاعتبار عد ابن رشد الغزالي ملحدا حيث أنه عالج المسائل الدينية أمام الجمهور.

(27) النظرية ص 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت