فهرس الكتاب

الصفحة 2837 من 5287

الحجر الأسود، ويحتفظ من جديد بالمقام لعبادة إله إبراهيم «الإله الحق» .

وفي السنة التالية، كان على رأس تسعين ألف رجل، يعود إلى مكة ليحتفل فيها بأول حجة إسلامية، ويحدد فيها الشعائر التي لا تزال تطبق حتى اليوم، من طرف مئات الملايين من المسلمين، الذين يقومون كل سنة في شهر ذي الحجة بالسفر إلى مكة.

وهذه هي حجة الوداع، إن النبي الذي أنهكته المعارك التي قام بها ضد الوثنيين، وضد نفسه هو، كان يشعر باقتراب أجله، كان يوجه وصاياه الأخيرة إلى أصحابه، عاري الرأس تحت الشمس، لابسا كفنه، لقد حثهم قبل كل شيء على البقاء متحدين، ثم أخذ يذكر بحقوق وواجبات الأزواج، وإبطال الربا، والأخذ بالثأر، ولمرتين طالب الجمهور: «ألا هل بلغت؟» وإن المومنين الواقفين أمام الله (كما هم اليوم حجاج مكة في سهل عرفات) ليهتفون له، في الوقت الذي كان يرى فيه شاحبا مرتعشا، وفي رجفة كان الرجل يعلن آخر كلام تلقاه عن الله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» [المائدة: 3] .

ويعود إلى المدينة فيقع مريضا - يقال بذات الجنب - ويموت بين يدي عائشة، زوجته الشابة، وبجانبه فاطمة، أحب بناته إليه، كان ذلك يوم الإثنين 13 ربيع الأول من السنة 11 من الهجرة (8 يونيه 632) وعنده واحد وستون سنة (1) .

هكذا ذهب هذا الذي كان «أكثر من رجل، وأقل من إله: كان نبيا» لقد مات محمد ولكن رسالة محمد بدأت، هذه الرسالة هي الإسلام، والإسلام هو القرآن.

ها هو ذا الكتاب، إنه مفتوح على سعته بجانب القبلة (النافذة الرمزية المتجهة نحو الكعبة) في أقدم المساجد الخمسة بجامعة الأزهر، بالقاهرة، إننا هنا في قلب الإسلام، إن الأزهر هو فاتيكان العالم الإسلامي. ومن هنا منذ ألف عام يقوم ثلاثون دكتورا في العلوم القرآنية -هيأة كبار العلماء- يجهل العالم (2) دائما أسماءهم، بضمان استمرار الإسلام، وإدارة المجتمع الإسلامي بواسطة البحث والتفسير ونشر القانون.

إن القانون هو القرآن، والقرآن يعني: التلاوة، القرآن ليس فقط توراة (كتاب) المسلمين، إنه صوت وكلام الله، إنه عبقرية الآداب العربية، ولا يمكن اعتباره كعمل أدبي دون المساس بحرمته، إنه نص مقدس «غير مخلوق، أزلي الوجود، تلقاه النبي» (3) . إن القرآن هو «خطاب الله للإنسان بلغة العرب» وتلاوة القرآن هي القربان المقدس الوحيد في الإسلام، وقراءة آية من القرآن هي توسل، وهي عشاء رباني، وبمعنى دقيق: الاتصال بالله.

إن القرآن، شريعة الديانة الإسلامية، هو أيضا القانون المدني، والقانون الجنائي، وميثاق هذا «المجتمع العالمي الذي تتوارثه الأمم والأجناس» الذي هو الإسلام، إنه القانون المدني الذي يوجه في أدق الجزئيات حياة الشخص، وحياة المجتمع بأسرها، إنه دين وحياة يومية، إيمان وسياسة، كلها مرتبطة ارتباطا غير قابل للتفكيك في المائة والأربعة عشرة سورة. والستة آلاف والمائتين والستة والثلاثين آية من «كتاب الحياة» هذا، الذي هو بالنسبة للمومن المسطرة المطلقة التي لا يمكن مخالفتها ولا مناقشتها لأن كل كلمة من سبعة وسبعين ألفا وستمائة وتسعة وثلاثين من الكلمات التي تتألف منها هي كلمة الله.

القرآن، إنه البازار (4) كما يقول (هوجو) ، فيه كل شيء. ولكن تحت هذه الكثرة وهذا الاختلاط تختفي قاعدة الإسلام: الوحدة. إله واحد، كتاب واحد، قانون واحد، لغة واحدة، شعب واحد.

إن الإسلام، آخر الأديان الكبيرة التي ظهرت في الوجود، هو أكثرها بساطة على الإطلاق، إلاهه «الله، ومحمد رسول الله» وشعائره تعود إلى أركانه الخمسة:

(1) يعني شمسية، أي 63 سنة قمرية.

(2) يعني العالم الأوربي! وإلا فأسماؤهم لم تكن في وقت من الأوقات سرية.

(3) الغريب أن الكاتب هنا يقول برأي أهل السنة في مسألة خلق القرآن.

(4) كلمة فارسية الأصل تطلق على السوق العمومية المغطاة في الشرق، ونقلت للفرنسية لتطلق على المتجر الكبير الذي يبيع كل أنواع السلع، وتطلق عندنا في المغرب على المتاجر الخاصة بالتحف والصناعات الوطنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت