فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحديثة مضطرة اضطرارا إلى أن تنقل العلم الحديث من الخارج، لا نستطيع أن نقاطع هذا العلم لأن فيه نفعا لنا، لا نستطيع أن تقاطع العلم الأجنبي عنا، العلم الحديث، ولا أن نقاطع أهله، لا بد لنا من أن ننقل عن أساتذة الجامعات في الخارج، أما أن ننقل عنهم نقل الكتب عن طريق القراءة، وأما أن ننقل عنهم نقدا نقل الاتصال الشخصي عن طريق إيفاد البعثات إلى الخارج لتتعلم في جامعات أوربا، وأما أن ننقل عنهم عن طريق نقلهم هم إلى جامعاتنا، فلا شك في أن هذا أمر ضروري للغاية ليستقيم المصنع ويستطيع أن ينتج وأن يعمل، وأن يعمل في خبرة لأن الأمر في الجامعات - وقد أكون أنا أحدثكم حديث خبرة -ليس أمر ارتجال وإنما هو أمر خبرة طويلة وإعداد طويل وعمل شاق، ولكن جامعاتنا إذا بقيت عند هذا فإنها لن تستطيع أن تضيف جديدا إلى ما خرجت به على العالم جامعات أوربا، ونحن نعرف ما خرجت به تلك الجامعات على العالم، الجامعات التي عنيت أول ما عنيت بإخراج البشر من الحيوان، الجامعات التي وقفت أو وقف أغلبها عند ذلك. لن نستطيع أن نبلغ غاياتنا، ولا أن نحمل رسالتنا، ولا أن نحقق كلمة الله في الأرض، لن نستطيع أن نفعل شيئا من هذا إذا ما اعتمدنا اعتمادا كليا على أساتذة مستوردين أو على علم مستورد، أو على كتب نقرأها، أو على آراء نستجلبها من الخارج، إننا يجب أن نضع خطتنا وأن يكون تخطيطها في إنشاء هذه المصانع تخطيطا عربيا إسلاميا ينبع عن ذاتنا ويراعى ظروفنا ويستجيب لاحتياجاتنا، ويحقق أهدافنا في الحياة، يجب أن تكون جامعاتنا عربية، يجب أن يكون القوام الأول للأستاذية في جامعاتنا الحديثة هو الأستاذ العربي.
ولأنتقل من الأستاذ إلى الطالب، وليس أحب إلى نفسي من أن أتحدث عن الطالب، أؤكد لكم أنني انفعل أمامكم الآن انفعالا عميقا حين أرى بعض هذه الوجوه التي هي وجوه المستقبل، الطالب، ليس أحب إلى الأستاذ من أن يرى أحد فردين أحسن منه في الحياة ابنه وتلميذه، هذه حكمة الله أودعها أنفسنا، والأستاذ الصادق مع نفسه المستجيب لحكمة الله فيه هو الأستاذ الذي يحب دائما ويعمل دائما على أن يصبح تلميذه خيرا منه في الحياة خيرا منه بكل معاني الكلم، خيرا منه عقلا مصقولا صقيلا، خيرا منه ضميرا حيا، خيرا منه أدبا في النفس، الطالب نريد أن نعلم فيه هذه النواحي المختلفة وأن نصقلها، لا صقل أوربا الذي يتناول المادة في ظاهرها، ولكن صقل الإسلام وصقل العروبة الذي يتناول المادة من الداخل، نريد أن نصقل هذا الطالب، ننمي جسمه وعقله، ونحيي ضميره، ونؤدب نفسه، ولكننا إلى جانب ذلك نريد أن نخرج منه إلى جانب الإنسان الفاضل مواطنا صالحا، نريد أن نكون عمليين، فهذا المصنع لا يتناول الأفراد ولا يتناول هذه الصناعة هواية لوجه الهواية، إنما يتناول هذه الصناعة لفائدة، العلم الذي لا يفيد ليس علما يحقق رسالة الله في الأرض، العلم يجب أن يفيد، يجب أن يفيد صاحبه ويجب أن يفيد الناس، وهذا ما يجعل تربية الطالب في هذا المصنع تتجه أول ما تتجه بالنسبة لظروفنا الحالية إلى تكوين ما نسميه المواطن الصالح.
ولأحاول أن أنقل إليكم صورة بسيطة جدا عن مفهوم هذا المواطن الصالح في رأيي وفي تجربتي التي أسير عليها الآن في جامعتي الناشئة، العلم يستطيع أن يعقد الأمور وأن يجعل التعريفات صعبة المفهوم ولكن هذا ليس علما إنما القدرة العلمية حقا هي في التبسيط، وكلما كانت الأمور بسيطة كلما أصبحت في متناول الناس جميعا، المواطن الصالح في رأيي هو بكل بساطة المواطن الذي يعطي أمته أكثر مما يأخذ منها، لا بد لكل مواطن من أن يأخذ في الحياة قبل أن يعطي، يأخذ أثناء طفولته من أمة أولا ثم من أبيه ثم من أهله ثم من المجتمع المدرسي ثم من الدولة، وقد يأخذ من الإنسانية كلها إن أتيحت له الفرصة، ولكنه حين يبلغ أشده ويبلغ مرحلة الرجولة يجب أن يبدأ العطاء، ويجب أن يكون العطاء أكثر من الأخذ، أنا أخذت فرصة ألفين فيجب أن أعطي على أقل تقدير ألفي فرصة لأشخاص ليبلغوا ما بلغت إذا أردت أن أكون إنسانا نافعا في الحياة. علمني أهلي لأنهم كانوا أقدر من غيرهم على تعليم أنبائهم، وعلمتني الدولة لأنني نشأت في دولة سمحت ظروفها بذلك، أنفق علي المجتمع ورعاني، ثم أعطاني عملا طويلا قد يكون متعبا من ناحية الضمير ولكنه مريح من ناحية الجسم، أعطاني عملا ويعطيني مرتبا ويعطيني مكانا مرموقا، يحترمني تلاميذي وتقدرني الدولة ويحبني الناس وهذه كلها نعم مضاعفة، فخرجت بي هذه النعمة من النطاق الضيق الذي أعمل فيه إلى نطاق واسع، خلقني الله في أمة عربية يمتد وطنها العربي من الخليج إلى المحيط، ويتألف الناس فيها ويقدر بعضهم بعضا ويحب بعضهم بعضا، هذه كلها نعم كبرى لم تتح لغيري من الأساتذة في أجزاء أخرى من العالم، علي إذن أن أرد الجميل مضاعفا، علي أن أرده لأهلي، وعلي أن أرده لوطني الصغير، وعلي أن أرده لوطني الأكبر الوطن العربي الكبير، صدقوني أنه ما ضر الأمة