فهرس الكتاب

الصفحة 2876 من 5287

الإبقاء على استمرار هذه السيطرة ولو في أشكال غير مباشرة ودقيقة وقد نجم عن ذلك نشوء حالات من التنافس الخفي بين الدولتين الاستعماريتين تبرز مظاهره أحيانا وتدق أحيانا أخرى ولكنه -على كل حال- تنافس فعلي يمكن على أساسه تفسير بعض الظواهر السياسية التي تترآى أحيانا في الميدان الإفريقي.

ومن المعقول جدا أن تؤدي هذه الأحوال الجديدة من التنافس الدولي حول إفريقيا إلى نشوء أوضاع سياسية في القارة تختلط تارة بمفهوم الحرب الباردة العالمية وتمتزج تارة أخرى ببعض الصور الإفريقية المعقدة كالصراع الطائفي والقبلي الذي تختفي وراءه كثير من الحقائق الدولية المثيرة.

إن المناورات الأجنبية لها أكبر الارتباط بهذه الأوضاع، أما الهدف الرئيسي من كل هذه المناورات فهو ضمان استمرار إفريقيا مورد طاقة لا ينضب للاحتكارات الصناعية الكبرى، هذا بالنسبة إلى الغرب أما بالنسبة للعالم الشيوعي فتهدف المناورات إلى تهيئ القارة كمجال رحب لاستقبال الإيديولوجيات الأجنبية وجعل القارة ميدانا واسعا للصراع بين هذه المذاهب وبين خصومها الرأسماليين والبورجوازيين.

بقي علينا الآن أن نتساءل: هل من الضروري للشعوب العربية أن تعنى بمراقبة التطورات الجارية في إفريقيا وتشارك بدورها في تعديل مجرى هذه التطورات؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو واقع السياسة العربية العامة في القارة السوداء؟ وما هو دور هذه السياسة ومدى كفاءتها في مواجهة الحقائق التي تحدد مستقبل القارة وتساهم في تكييف مصيرها؟ وإذا كان للعرب دور في السياسة الدولية الإفريقية فما هي القيمة الفعلية لهذا الدور؟ وهل يمكن أن يكون في مستوى الأهمية التي تكتسبها علاقات العرب بالقارة الإفريقية؟

أما أن على العالم العربي أن يعني شديد العناية بتطورات الأحداث في أفريقيا السوداء فهذا شيء يبدو طبيعيا ومعقولا جدا، فإذا كانت مختلف الدول في أوربا وآسيا وأمريكا تبدو مقتنعة بأن مستقبلها يرتبط في بعض النواحي بمستقبل علاقاتها بإفريقيا فإن من حق العالم العربي أن يبالغ في تقدير قيمة الارتباطات التي يجب أن تصله بهذه القارة فأكثر من نصف أبناء الأمة العربية يعتبرون مواطنين أفارقة، وكذلك فإن ملايين الكيلومترات المربعة من الأراضي العربية توجد في صميم القارة الإفريقية، هذا بالإضافة إلى اتحاد مصالح العرب بمصالح الشعوب الإفريقية وارتباط قضاياهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بقضايا هذه الشعوب وانتساب الجميع إلى عالم الأمم الشرقية وإلى دنيا الأمم المتخلفة التي تربط برباط متين كثيرا من شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولهذا كان من البديهيات الأولية أن تكون عناية العرب بالشؤون الإفريقية أكثر من عناية أية أمة أو مجموعة من الأمم الأخرى بمشاكل هذه القارة، ولكني لا أظن أن واقع السياسات العربية في إفريقيا السوداء يوازي هذه الأهمية التي تكتسيها مصالح العرب في هذه المنطقة الهامة من العالم، فالحكومات العربية ليست على درجة واحدة من الاهتمام بالقضايا السياسية والإنسانية الكبرى في ربوع إفريقيا الزنجية، ويكاد يكون مقياس عنايتها بمشاكل هذه المنطقة الموقع الجغرافي والارتباطات السياسية المباشرة فقط، وهكذا نجد الدول العربية الإفريقية أكثر اهتماما من شقيقاتها الأسيويات بالقضايا الإفريقية العامة وذلك بالطبع نتيجة العامل الجغرافي لا غير، بل أن البعض من هذه البلاد العربية الإفريقية كليبيا لا تجد من موقعها الجغرافي أيضا ما يحفزها إلى تحديد سياسة خاصة تتفق ووجهتها الإفريقية الطبيعية، وإذا كان لنا أن نشعر بكثير من الاعتزاز والتقدير للسياسات الإيجابية التي ينتهجها المغرب والعربية المتحدة والجمهورية الجزائرية وتونس في المضمار الإفريقي فإننا نلحظ -مع ذلك- أن مجموع الدول العربية الأخرى وخاصة الجامعة العربية لا تتوفر على تخطيط منهجي واضح يبين الاتجاه العربي العام من المشاكل الإفريقية السوداء ويضمن سلامة المصالح القومية والدولية للأمة العربية في ربوع القارة الإفريقية، وليس من حاجة للتأكيد بأن الكتل الدولية قد أضحى لها من الوزن في العمليات السياسية العالمية أكثر بكثير مما يمكن أن تأتي به السياسات المنفردة الخاصة، والكتل الدولية اليوم تقوم في ربوع إفريقيا السوداء بعمليات واسعة تستهدف فرض أنماط من التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية على الجماهير الإفريقية المتوثبة، واعتبار هذه الحقيقة يحتم على الدول العربية ككتلة دولية لها وزنها في هذا المضمار أن تضاعف من اهتماماتها الإفريقية وتزداد شعورا بمسؤولياتها إزاء تطور الأحوال العامة في الدول الجديدة بإفريقيا السوداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت