فهرس الكتاب

الصفحة 2878 من 5287

سياستها التوسعية بالمناطق الجنوبية للمغرب والواقع أن السياسة الفرنسية ليست معزولة في هذا الميدان من الناحية الدولية بل إنها تنعم بتأييد شركائها الغربيين بصورة علنية أو خفية، ومن دلائل ذلك إسراع المصرف الدولي إلى منح القروض للشركات الاحتكارية التي تحظى برضى ابن دادة وذلك في سبيل استنزاف الثروات الطبيعية التي تزخر بها موريتانيا وربطها بعجلة الاقتصاد الاستعماري الغربي، وإذا تذكرنا جيدا قصة هذا المصرف الدولي مع مصر في قضية تمويل السد العالي وعلاقة ذلك بموقف الشقيقة العربية من الاستعمار الغربي أدركنا جيدا حقيقة العوامل التي ساعدت ابن دادة على الحظوة برضى المصرف ومسيرته والأسباب التي جعلت هذا القرض الغريب شيئا ميسور المنال.

وإذا كانت موريتانيا تهيأ هكذا لتكون أوثق الحلقات في سلسلة التطويق الاستعماري لأقطار المغرب العربي فإن هناك مجالات أخرى للعمل تستغلها القوات التوسعية في الغرب كثيرا لأحكام العزلة بين شطري القارة في الشمال والجنوب ومن ذلك ما يجتهدون في بثه من أفكار انطوائية وانعزالية بين بعض الزعماء الأفارقة السود وما يصطنعونه من أجواء الريب والحذر بين الكتل الديموقراطية الإفريقية وخاصة بين الشعوب العربية والشعوب الملونة في القارة، وقد اتخذت هذه الخطة أشكالا متعددة من قبل وكان آخر مظهر لها ما لاحظناه خلال مؤتمر الشعوب الإفريقية الناطقة بالفرنسية .. ذلك المؤتمر الذي تم انعقاده في «ابيدجان» عاصمة ساحل العاج في أواخر أكتوبر الماضي. لقد كان المؤتمر بادرة إفريقية محدودة يبدو أنها قد اتخذت لمحاولة العثور على حل سلمي لقضية الجزائر في نطاق الجامعة الفرنسية، وعلى الرغم من أنه لم يتوصل إلى نتائج إيجابية معينة فقد كان مجرد انعقاده أساسا لانبعاث الأحاديث في الغرب عن الفروق بين شعوب الشمال وشعوب الجنوب في القارة الإفريقية وتكاثر الإشارات في أقوال المعقبين الفرنسيين خاصة عن «التضامن الأسود» ضد الانتشارية العربية و «التوسع» المغربي في الصحراء وأشياء من هذا القبيل ..

وقبل ذلك بكثير كانت العلاقات بين غانا والجمهورية العربية المتحدة هدفا لبعض المحاولات «التسممية» من هذا النوع، بل إن الأمر بدأ يعدو ذلك عند بعض إلى حد القيام بالمقارنات الخيالية بين الخطر الذي يمثله الزحف الشيوعي العالمي في القارة الإفريقية وبين المخاطر التي تتمثل في انبعاث الروح الإسلامية وانتشارها في ربوع القارة.

إن هذه المدعيات والتقولات الغربية لا تنحصر في ضمن الحدود اللفظية المجردة فقط، بل إنها تمثل فعلا الواجهة السطحية لمنهج تطبيقي منظم لا شك أن القوات الاستعمارية العالمية تعتمده لتصفية بذور التضامن الإفريقي العربي ونسف قواعده من الأساس، وتعتمده هذه المناهج -في جوهرها- على اصطناع أنواع من التناقض في المصالح والرغبات بين بعض الدول في الشمال والأخرى في الجنوب.

وتجتهد المصالح الدبلوماسية الغربية بالفعل في الحصول على نتائج إيجابية في هذا المجال، وتبدو قضية موريتانيا - في الوقت الحاضر-التجسيم الفعلي لهذه السياسة التي تقتفيها فرنسا في القارة الإفريقية، فهذا الاستقلال الوهمي الذي منحته لهذه المقاطعة المغربية الصرفة لا يستهدف فقط إقامة الحواجز المادية دون امتداد الصلات المباشرة بين المغرب والشعوب الإفريقية في الجنوب، بل ان الوضع الدولي الناشئ عن هذا الاستقلال يستخدم وسيلة لاختلاق جو من الاختلاف في الرأي والتناقض في المصالح والتباين في الأهداف بين المغرب وبعض البلاد الإفريقية المتأثرة باتجاهات الجامعة الفرنسية.

وقد أتى مؤتمر «أبيدجان» في أواخر أكتوبر المنصرم ليؤكد أن هذه الاحتمالات السيئة قد يوجد هناك أحيانا ما يبرر إمكانية وقوعها على شكل من الأشكال، فقد استطاع ابن دادة أن يتسرب إلى المؤتمر واستطاع بذلك أن يغالط -بعض الشيء- قطاعا دوليا إفريقيا له وزنه وقيمته، على الرغم من أنه لم يحصل في الأخير على أية نتائج إيجابية تهم قضية الاستعمار الفرنسي في موريتانيا، وقد كان من الممكن أن لا يتسلل العميل الموريتاني إلى مؤتمر من هذا النوع يضم دولا مستقلة ومتمتعة بسيادتها ومتعرفا بوجودها قانونيا ودوليا، كان من الطبيعي ألا يتم هذا لسبب بسيط وهو أن المقاطعة التي يحتكر ابن دادة لنفسه تمثيلها لا يصطبغ وجودها الدولي بأية صبغة قانونية ما دام أن استقلالها الوهمي - في حالة انعقاد المؤتمر- لا يزال دائما موضوع مؤاخذات قانونية خطيرة ومحط حقوق وطنية ثابتة ومثار نزاعات دولية جدية وواسعة، كان معقولا إذن ألا تكون موريتانيا ممثلة في مؤتمر إبيدجا، إلا أن الجو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت