فهرس الكتاب

الصفحة 2984 من 5287

وجودة الرصف وعن الإيجاز والإطناب وعن حسن الأخذ وحل المنظوم وفيه يتحدث عن السرقات وعن التشبيه وحده والبيان عن قيمته وعيوبه وعن السجع والازدواج وواجه البديع وأخيرا يتحدث عن مبادئ الكلام ومقاطعه. والحق أن كتاب العسكري يعتبر الأوج الذي وصل إليه مذهب البديع الذي كان معجبا به وبقواعده الشكلية المنطقية وبه ينتقل النقد المنهجي إلى بلاغة تعليمية لم تلبث أن جففت ينابيع الأدب الذي أصبح يعتمد على الصنعة العقيمة «إذ أخذ الأدباء والشعراء يستخدمون تلك الأوجه ليحلوا بها أسلوبهم وكانت النتيجة أن ضاع من الأدب كل إحساس أو فكر أو فن صحيح وغلبت اللفظية والتكلف حتى أماتت الأدب» والغريب أن أبا هلال حين يتحدث عن المسائل الأدبية الخالصة كالسرقات تستقيم أحكامه ولعل السبب أنه لم يتأثر فيها بأحد من مناطقة البيان الشكليين.

ثم جاء بعده عبد القاهر الجرجاني وكان عالما من علماء اللغة والنحو ذا فكر حاد وذوق سليم فألف كتابين يعتبران أحسن ما كتب في البلاغة العربية هما: «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» وفيهما يحارب تيار اللفظية وينقض نظريتين قديمتين أخذ بهما سابقوه الأولى أن جمال الكلام في اللفظ والثانية أنه في المعنى فجعله هو في نظم الكلام أي في الأسلوب فهو يرد إعجاز القرآن وبالتالي سر الإبداع في الفن الكلامي إلى النظم أو السياق فالسر في البلاغة عنده ليس في اللفظ من حيث هو لفظ وإنما هو في هذه الارتباطات والعلاقات التي يوجدها الشاعر بين اللفظ وما قبله وما بعده «فالألفاظ لا تفيد حتى يؤلف ضربا خاصا من التأليف ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب» فاللغة عنده ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات والروابط التي هي المعاني فالألفاظ لم توضع لتعين أشياء بذاتها وإنما لتستعمل في الأخبار عن هذه الأشياء بصفة أو حدث أو علاقة. وإذا كانت العلاقات لا تستقيم إلى بالنظم فقد جعله مقياسا لنقده اللغوي النحوي إذ النحو عنده هو ذلك العلم الذي يبحث في الروابط بين الأشياء. ثم هو يدرس الجملة منفردة ومتصلة دراسة مفصلة ليبين مواطن الجمال في الأسلوب فيبحث في أهمية حروف العطف وقيمة الإيجاز والإطناب وضرورة مطابقة الكلام لمقتضى الحال وهذا أساس علم المعاني فعبد القاهر يحاول التوفيق بين قواعد النحو العربي وبين آراء أرسطو التي درسها في العبارة في نهج موضعي دقيق.

وجاء بعد عبد القاهر جماعة نهجوا نهجه وزادوا في الأمثلة والتقسيمات فأتلفوا النقد وأفقدوا البلاغة روحها وكأنهم كانوا يحاولون وضع قواعد مركزة للبلاغة همهم في ذلك أن يفهموا ما وضعه لها عبد القاهر فألف السكاكي كتابه: «مفتاح العلوم» وفيه يتناول النحو والصرف وأوزان الشعر والمعاني والبيان والبديع ملخصا ما قاله الجرجاني دون أن يأتي بشيء جديد. وبالمفتاح وضعت للبلاغة مقاييس ومعايير جمدتها وحجرتها بصفة نهائية.

ولم نصل إلى أوائل القرن الثامن حتى ندخل في عصر التلخيصات والشروح والجدل المنطقي فيلخص القزويني في متنه: «تلخيص المفتاح» ما جاء في القسم الخاص منه بالبلاغة يختصر القواعد ويجملها حتى كأنها الغاز مما اضطر العلماء بعده إلى شرحه، فشرحه هو نفسه في «الإيضاح» وشرحه سعد الدين التفتازاني والشريف الجرجاني وابن يعقوب المغربي والسبكي المصري وجاء بعد هؤلاء من شرح هذه الشروح وكتب عليها حواشي وتعليقات لا شيء من ورائها غير إفساد الذوق وإفقاد الملكة الأدبية.

أما التيار النقدي فقد استمر قليلا من القرن الخامس قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بفضل أبي العلاء المعري الذي لم تفسد الصنعة طبعه ولم تطغ عليه المحسنات البديعية فقد كتب «رسالة الغفران» ورسائل أخرى في نقد امرئ القيس والنابغة وأبي تمام والبحتري والمتنبي. ثم جاء ابن شهيد الأندلسي فكتب «التوابع والزوابع» وكان أهم ما ظهر في النقد بعد هذا كتاب لابن الأثير تغلب عليه الروح البلاغية وهو «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» وكتاب «العمدة في صناعة الشعر ونقده» لابن رشيق القيراني وهو ليس بحثا جديدا وإنما هو نظرات جزئية ملخصة من ملاحظات النقاد الذين سبقوه ولعل سبب جمود النقد راجع إلى فساد الذوق وعدم ظهور أساليب وأنماط جديدة في الشعر تجعل النقاد يلاحظون ويدرسون.

وهكذا سار النقد والبلاغة منذ أقدم العصور الأدبية متحدين مختلطين لا يفرق بين مفهومهما في دراسة النصوص وتحقيقها وظلا على هذه الحال مجتمعين حتى بعد أن نضجت آداب العرب وعلومها واستقل النحو واللغة في الكتب والمعاجم. ولكنهما في نحو القرن الخامس الهجري وبعد مشقة وعناء ينفصلان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت