فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
التعقيب: في الواقع أننا نشهد وكل مشتغل بالآداب العربية لا ينكر أن الصور الفنية التي لا جاء بها القرآن فاقت كل الصور الأدبية الأخرى، وما ذلك إلا لأن العمل الأدبي في القرآن قد ارتفع من الناحية الفنية إلى غاية لا يسمو إليها أي عمل أدبي، وحيث أن الأمر كذلك فإن الترجمة تعز في هذه الحالة، وتفقد كثيرا من القيمة بالنقل « (1) والذين كانوا يقولون أن المقياس لقيمة الأدب أن يستطاع نقله إلى لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته كانوا يغالون ليثبتوا حجتهم في ملابسة معينة»
فنحن ننظر مثلا في القرآن أجمل كتاب أدبي في المكتبة العربية بغض النظر عن القداسة الدينية حتى تنقل بعض آياته فنيا إلى لغة أخرى، حين تتخلف عن الترجمة صوره وظلاله وإيقاعه- أنه يفقد جماله الفني وإن بقيت قيمته المعنوية.
ويستحيل عندئذ تقدير قيمته من هذه الوجهة. أما نقل صوره وظلاله وإيقاعه فهو عمل أراه أعسر من العسر، لدقة هذه الخصائص وتسامي آفاقها.
وسأعرض هنا للون من آيات الكتاب الحكيم نلحظ فيه موسيقى وتصويرا للجو العام، كل هذا من تناسب واقتضاء للحال. «والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» ثم «ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى» ؟ ذلك الحنان وتلك الرحمة، وذلك الرضى، وهذا الشجى تتسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع ... فلماذا أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق ومن الليل السجي، أسفي أنين من آونة الليل والنهار، وأشف أنين ترى فيهما التأملات، وساقهما في اللفظ المناسب، فالليل هو «الليل إذا سجى» لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه، الليل الساجي الذي يرق ويصفو وتغشاه سحابة رقيقة من الشجي الشفيف، كجو اليتيم والعلية، ثم ينكشف ويجلو ويعقبه الضحى الرائق مع «ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار، ويتم التناسق والانسجام. ولكن ماذا نفعل الآن بصدد تلك الصورة الفنية، والتعبيرات المتسامية الأفاق البعيدة الغور، والتي تهيئ الجو الملائم لكل حالة؟ أتمهل في الترجمة إهمالا تاما فنخسر الناحية الفنية في القرآن؟ أم أن هناك في اللغات الأجنبية ما يعوضنا ولو بعض شيء عن مثل هذا؟ الحق أننا لا نأسى كثيرا على تلك النواحي الفنية في القرآن عندما نترجم، وذلك لعوامل نذكرها فيما يلي:
1 -أن المقصود الأول بالترجمة تعريف الأجانب بمبادئ ديننا القويم، وبيان أحكام الإسلام، وما شرعه المولى للبشرية من قوانين سماوية، تطاولت إليها الأعناق، فصاغتها في قالب آخر، وعبرت عنها بأنها من عند أنفسها، والقرآن هو صاحبها منذ القرون الأولى، كما أن نبغي من الترجمة دحض شبه المفترين على الدين، وتفنيد أباطيلهم ودعاويهم، حتى تتهاوى واحدة بعد الأخرى.
فلن نأسف عن ناحية الإيقاع والظلال والإشعاع، إذا ما فاتت في النقل، فيحسبنا أن نحقق الرسالة الأولى من مبادئ الإسلام.
يستطيع المستشرقون والذين يرغبون في أن ينهلوا من منابع العربية من الأجانب أن يتذوقوا تلك التعابير الفنية في القرآن، وأن يحكموا على مدى الدلالات الخفية للمعاني الأصلية، فيعرفوا ما للقرآن من انفراد بتلك الخصوصيات للتعبير، ولسنا نغلو في القول إذا قلنا أن أهالي جاؤه وسوماطره والباكستان وما إليها من الأقطار الإسلامية قد لا تقف على كل الصور الفنية في القرآن، والتي أتينا منها بنموذج مصغر، تبينا من خلاله كيف أحاط القرآن في كلماته المتتابعة بتصوير المواقف تصويرا تنوع بتنوع الحال واختلف باختلاف المجال.
(1) الديوان للأستاذين العقاد والمازني