فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 2
وإتباع القرآن هو الذي يعوق التقدم الاقتصادي وازدهار العمران، إذ يمنع الربا ويحول دون تكتل رأس المال، ويمنع من وسائل التوفير والضمان الحديثين، وهو الذي يعوق دون البحث عن تجديد في الشرائع وفي المعاملات، والإيمان بالأصول الدينية هو الذي يمنع العقل من التفتح والفكر من السبح في ميادين النظريات الجديدة التي لا تقف دونها أسوار الدين ولا أستار الغيب، إلى غير ذلك من التهم التي كان يقصد منها قبل كل شيء تجريد المسلم من ثقته بنفسه، ليتجه نحو الغرب ينشد في تقليده الروحي أولا، ثم المادي ثانيا، ما يغرفه لمستوى المستعمرين، حتى يكون شريكه في الحياة التي سيصبح الأول سيدها والمتحكم في أمرها في كل أرجاء الأرض.
لم تكن مهمة عبده إذا سهلة، لا من ناحية العلم ولا من ناحية الواقع، لأن الجو الذي كان فيه العالم الإسلامي في عهده، جو جهل وانحطاط وانحلال يحتاج العالم فيه إلى إيمان قوي، وثبر كامل وثبات، ولأن الإسلام الذي ورثه الأجيال الأخيرة لم يكن هو إسلام الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولكنه كان إسلاما غطت على حقائقه الخرافات وأفسدت محاسنه الأوهام، والكتب المنتشرة في شأنه كانت كتبا ممزوجة بالحق والباطل>، مليئة بتحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والمسلمون الذين يعيشون لا يمكن أن يكونوا شهداء على الناس لا بأقوالهم ولا بأعمالهم ولا بأحوالهم، بل كانوا حجة على الإسلام بما يرتكبونه من الآثام الفردية والاجتماعية، ولأن الخصوم الذين كانوا يعملون لهدم الإسلام ومحو تقدسيه في نفوس أبنائه كانوا يقومون بعملين ضخمين:
أسهلهما هو المهاجمة الظاهرة بالشبه والتهم، وكانوا يجندون لها كل ما وصل إليه الغرب من علم ورقي في الفكر وفي أساليب الجدل والإغواء.
وأصعبها هو ما يدرسونه في معاهد التربية والتعليم، من غرس للجحود في الشباب وتثبيت لدعائم الجمود في الشيوخ.
ولكن عبده وشيعته كانوا جديرين بالمهمة التي اضطلعوا بها، والرسالة التي اختارتهم حيوية الأمة الإسلامية لأدائها، ولئن كانوا قد وقعوا في بعض الأغلاط، أو خرجوا عن الجادة في بعض الأحيان، أو جروا بعض الذين لم يفهموا غاياتهم عن الانحراف عن الطريق، فإن ذلك لا ينقص من قدرتهم، ولا يغير شيئا من قيمة العمل العظيم الذي قاموا به في خدمة الإسلام والمسلمين في هذا العصر، الأمر الذي يرفعهم لمستوى علماء الإسلام المجددين وقادة فكرة المصلحين.
ونحن لا نريد أن نتناول في هذا الحديث الجزئيات، إلا بقدر ما يحتاج إليه التبيين من المثل، وما يدعو إليه التفهيم من وسائل التقريب، ولكننا سنحاول جمع أهم الأصول التي كانت عقدة الفكر، ومحور الكفاح الذي قام به أولئك الأبطال لتصحيح الفهم وإصلاح الحال في الجهتين الداخلية والخارجية.
فكر محمد عبده قبل كل شيء في حالة المسلمين، وما هو عليه من جهل وانحطاط وذل وخذلان، وكيف استبدلوا سلطانهم وخضوعا، وانطلاقهم خنوعا، ونشاطهم كسلا. ثم بحث عن الأسباب، هل هي في طبيعة الدين كما يزعم أعداؤه، أم في أمر الجنس كما يقول مستعمروه، أم هي قضاء وقدر لا مرد له؟
ولكنه أيقن لأنه ليس هذا ولا ذاك، وإنما هي نواميس الكون التي قدر الله أن يسيلا عليها، وطبيعة المجتمعات التي لا يمكن الانحراف عنها، ولو أن المسلمين أقاموا ما أنزل من ربهم، وما علمهم من أمر دينهم ودنياهم، لما أصابهم، ولظلوا كما كانوا قدوة العالم، وغرة في جبين الإنسانية.
ولكن الانحراف عن الدين نفسه، لم يكن من طبيعة المسلمين ولا في الدين نفسه ما يحمل عليه، ولذلك فلا بد من البحث عن الأسباب التي كونت الداء ليسهل العلاج، إن ذلك لاشك ناشئ عن مؤتمرات أجنبية، قام بها الذين ضاقوا درعا بالسيطرة العربية والهيمنة الإسلامية، من رجال الجنسيات والعصبيات المختلفة من العرب والعجم، أولئك الذين حملهم مركب النقص أن يعملوا على إفساد الدولة، بالتسرب إلى السلطان عن طريق التفوق في الأوساط الشعبية بواسطة الخرافات والتحزبات التي عملت لها الجمعيات السرية والحركات الهدامة طيلة عصور عديدة، نجحت أثنائها في تحويل المسلمين عن فهم القرآن ودراسة السنة والاستكانة إلى شتى الخوارق التي تكفي أصحابها كلا وسائل العمل وأسباب الحياة.
وشرح هذه الحقيقة هو موضوع المقال الرابع من كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية الذي كتبه الإمام عبده في الرد على رينان وعلى مجلة الجامعة.
يقول الأستاذ الإمام ص 121 من رسالة الإسلام والنصرانية: (وأما ما وصفت بعد ذلك من الجمود، فهو مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام، وقد رأيت صورة الإسلام في صفائها ونصوع بياضها ليس ما يصح أني كون أصلا برجع إليه شيء مما ذكرت ولا مما تنبأ بسوء عاقبته «رينان» وغيره، وإنما هي علة عرضت على المسلمين عند ما دخلت في قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة الإسلام في أفئدتهم، وكان السبب في تمكنها من أنفسهم وإطفائها لنور الإسلام من عقولهم هو السياسة كذلك) .