فهرس الكتاب

الصفحة 3590 من 5287

بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

والدارس للإسلام يقف على المنابع الثرية لتكريم الإنسانية واحترامها في كل ناحية من نواحيه.

ومن تكريم الإسلام للإنسان تحريره من عبودية البشر والأحجار والسمو بكرامته عن أن تمتهن بهذه العبودية المزرية وذلك عن طريق الإيمان بالله وحده خالق كل شيء وما أجمل هذا النداء الرباني: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ..

أما تحقيق العدل للإنسانية في الإسلام فهو سمة بارزة في هذا الدين وليست العدالة وقفا على المومنين به بل تشمل الناس كافة ممن يقعون تحت مسؤوليته، والكلمة الخالدة التي قالها عمر رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، كانت بمناسبة ظلم وقع من ابن حاكم مصر عمرو بن العاص على قبطي مصري. والإسلام ليس دين العدالة فحسب بل هو فوق ذلك دين الرحمة والعفو والتسامح ولكن في دائرة واقعية تطبيقية لا مثالية خيالية .. وإذا كانت القيم الأخلاقية عنصرا جوهريا في الثقافة فإن الإسلام رسالة أخلاقية قبل كل شيء ولهذا كان رسول الله موصوفا من لدن ربه بالخلق العظيم، وبعث ليتمم مكارم الأخلاق أي ليعمم القيم الإنسانية على الناس جميعا وليتمم النقائص الموجودة في ثقافتهم البشرية بثقافة مختارة من لدن خالق الإنسان، ومتفقة مع كيانه البشري وفطرته السليمة التي خلق عليها.

فالأخلاق في الإسلام ليست ذات أشعاع داخلي ومغلق كما نرى في الثقافة الأوربية التي هي البنت الشرعية للثقافة الإمبراطورية الرومانية، وإنما تشع أنوارها نحو الجميع (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وما أروع أسلوب القصر هنا ..

وبذلك تكون مكارم الأخلاق قد شملت الجميع ولم تعد وقفا على علاقات أمة معينة كاليهود الذين يرون أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل، ويفرقون بين اليهود - شعب الله المختار- وبين الجريبم أي الحيوانات التي خلقها الله على صورة إنسان لتخدم شعب الله المختار، وهذه النظرة المنحرفة قد تجلت في الثقافة الاستعمارية كما نشاهد ذلك مطبقا في المستعمرات .. وفي أمريكا أيضا بين البيض والسود.

فمثل هذه الثقافة تحتوي على عنصر أخلاقي ولا شك، ولكن في دائرة ضيقة وذات إشعاعي داخلي مغلق لا ينفذ منه خيط من شعاع نحو الخارج، فالأخلاق هناك في إطار علاقة أفراد أمة معينة أما خارج ذلك الإطار فتتحول طبيعة العلاقات إلى نوع آخر وعلى أسس غير إنسانية وغير أخلاقية، وهكذا يكون الأوربي مثقفا من ناحية علاقته بأخيه، ومنحطا من ناحية علاقته بأفراد البلاد المستعمرة (بالفتح) أما الثقافة الإسلامية فهي بطبيعتها لا تعرف التفرقة بين الناس، فالخلق كلهم عيال الله أحبهم إليه أنفعهم لعياله، لأن هذه الثقافة تستهدف خلق مجتمع إنساني متماسك، وهذا التماسك لن يوجد في ظل ثقافة عنصرية، أو قومية وإنما في ظل ثقافة إنسانية تجمع بين مقتضيات المادة والروح ولكن تجعل المادة خاضعة للروح (وأن قوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام .. وقوة التماسك هذه جديرة بأن تؤلف لنا حضارتنا المنشودة وفي يدها ضمانا لذلك تجربة عمرها ألف عام وحضارة ولدت على أرض قاحلة وسط البدو، ورجال الفطرة والصحراء) (3)

والثقافة الإسلامية لا تؤمن بالسيطرة والتحكم والإكراه .. لا إكراه في الدين .. لان في ذلك فساد للعلاقة بين المثقف الإنساني (المسلم) وغير المثقف وتنفيرا لهذا الأخير عن الارتباط بالإنسانية عن طريق الإسلام ولذلك جعل الله الدار الأخير عن الارتباط بالإنسانية عن طريق الإسلام ولذلك جعل الله الدار الآخرة لمن يريدون الإصلاح لهذا البشر بالتي هي أحسن: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.

والثقافة الإسلامية من طبيعتها تمتين الروابط وتقويتها بين أفراد المجتمع، ولا تفوتها فرصة دون أن تبث تعاليم لخدمة ذلك الهدف ونظرة الإسلام للجوار خير دليل على ذلك، والثقافة الإسلامية ليست ذات اتجاه مادي ولا اتجاه روحي ولكنها ذات

3 شروط النهضة ص 7 - 8 - ط1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت