فهرس الكتاب

الصفحة 3597 من 5287

وقصاصيها: أن (خليل حاوي) يفصح عن وجودية صريحة في ديوانيه: (نهر الرماد) و (الناي والريح) ، كما أن (مطاع صفدي) يفسر التمزق الذي يعانيه الجيل العربي الحالي تفسيرا وجوديا، بل يتعدى ذلك إلى أن يفلسفه، وذلك في قصتيه: (الآكلون لحومهم) و (جيل القدر) . كما أننا بدأنا نقرأ قصصا (ساجانية) بلغة عربية صريحة: (كوليت سهيل: أيام معه، وليلة واحدة) و (ليلى بعليكي: أن أحيا، والآلهة الممسوخة) .

أما في المجال السياسي والاجتماعي، فقد قامت بعض الأحزاب بالدعوة إلى الاشتراكية، وبذلت في ذلك وسعها لتجعلها تنسجم مع مجتمعاتنا المتخلفة.

كل هذا يصلح أن يكون مدخلا لما نحن بصدده، ولكني أحب أن أشير إلى مفهوم القومية والإنسانية، قبل أن يتاح لي أن اقترح الحلول التي ينبغي أن تنتهجها ثقافتنا.

إن القومية عند (ماركس) ، هي مجموع الوطن والجنس واللغة والتاريخ، وإن كان هذا المفهوم الآن، لم يعد مستقرا، فهناك قوميات متحدة، تتحدث عدة لغات، كما أن الهجرات المتكررة من البلدان المتخلفة، إلى البلدان التي تطفو بالفئ، قد جعلت من العسير أن تكون قومية ما، ذات أصل سلالي واحد، ويظهر أن الأرض هي التي تلعب دورها في تقنين وتحديد هذه القومية وتأطيرها في كثير من الخاصيات والامتيازات. وعلى هذا الأساس، فالقومية العربية وجدت نفسها أمام هذا التصدع التطوري، فلم تشترط لذلك نقاوة الأصل السلالي، بل جعلت كل من يعيش في أرض عربية التاريخ عربيا. هذه القومية قومية بالمعنى الواسع، وهناك قومية بالمعنى الضيق لشعب واحد من الشعوب، ويمكن أن ترادفها كلمة: (محلية أو مغربية) . والحق أن المحلية أيضا لها خصائصها وطابعها بالنسبة إلى الأقطار الأخرى التي تندرج جميعا في قومية بالمعنى العام، وفي هذا المجال، يمكن أن تضيق المحلية إلى محليات كل منها ذو خصائص وميزات. فأي القوميتين نريد لثقافتنا؟ انكتب أدبا يعكس آمال العرب باعتبار القومية العامة، وفي هذا الوقت نتنازل عن تلك الخصوصيات التي تجعل إنتاجنا محليا فقط، أم ننتج أدبا يهدف إلى إبراز خصوصياتنا كشعب في إطار قومية كبيرة تضم عدة شعوب؟ الواقع أن الاتحاد السوفياتي والأحزاب الشيوعية في العالم، يؤكدان على محلية فنون وآداب الأقليات المنصهرة في الأكثريات، على شرط أن تنسجم هذه الفنون وتلك الآداب رغم محليتها مع الدعوة الاشتراكية، أي أنها تستطيع إبراز الماضي في شكل طيبوبة مستغلة، والحاضر في شكل تفاؤل في الغد. فنحن نشاهد الرقص المختلف لمختلف شعوب الاتحاد اتلسوفياتي، خاضعا لعبقرية وتقاليد الشعب الذي وضعه، كما أننا نرى أن الاتحاد السوفياتي يشجع لغات الأقليات المنضوية تحته، وذلك بتدريسها وتسهيل مهمة التأليف بها، وهذا يعني أن الاشتراكية وحتى في صورتها المتطرفة عند الاتحاد السوفياتي، لا تجد مانعا من التأكيد على الخصوصيات المحلية، إذا استطاعت أن تدفع التيار الإنساني العام إلى الأمام، فإذا تناقض اتجاه المحلية مع الاتجاه الإنساني، بحيث كان الإنتاج نازيا آو استعماريا أو فاشيا، فإن الاشتراكية لن تفتح له المجال في كنفها للظهور.

وهكذا، فالإنتاج الفني الإنساني، يسمو عن الفردية، ويتجه إلى الإنسان ليجعل منه موضوعه الأبدي، وها مفترق الطرق بين كل من الوجودية والشيوعية، فالوجودية تسمي الأدب إنسانيا ولو كان مجرد خطرات إنسانية تصلح لأن تكون تجربة حياتية ينتفع منها الآخرون، بينما تؤكد الشيوعية على المعنى النضالي للإنسان من أجل إسعاد نفسه وإسعاد الآخرين.

فإذا اخترنا أن تكون ثقافتنا إنسانية، فأي الاتجاهين نفضل؟ إلى هنا، فقد طرحنا سؤالين! ومن خلال الجواب عنهما ننفذ إلى موضوعنا.

إننا نود لثقافتنا (أنسنة) شاملة تظهر للآخرين عبقريتنا ومدى إسهامنا في بناء الحضارة الحالية، ولكننا نرى من الإجحاف لفكرنا أن نجعله يسير وفق مناهج خطها غيرنا، مع أنه في إمكاننا أن نعطي لإنتاجنا لونا خاصا بنا، لا يتعارض مع خطة (أنسنة) ثقافتنا فنحن شعب له عبقريته كبقية الشعوب الأخرى، وفي إمكان هذه العبقرية نريد أن تبرز لتحدد مدى مسؤولياتنا اتجاه الحضارة الإنسانية، ولا يمكننا أن تبرز إلا إذا زودنا بطاقات محلية، تكون مع طاقات المحليات الأخرى التي تتفرع عن قوميتنا العامة، نصيبنا الوافر في دفع عجلة الحضارة إلى الأمام.

إذن، ما هي السبل الصحيحة التي تؤدي إلى إبراز عبقرية ثقافتنا المحلية؟ وما هو علاج هذا الركود الذي يكتسح بلادنا رغم أنها في فترة مخاض؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت