فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أذهان الشعب، واستدراجه إلى الخروج من الدروب الفكرية المظلمة التي لا زال سادرا فيها منذ أحقاب طويلة.
وليس هناك ما يحول -من جانب آخر- دون سلوك مثل هذه السبل المنظمة بالنسبة لدنيا المثقفين وأشباه المثقفين وذلك عن طريق تنظيم مشاريع إنتاجية وطباعية واسعة المدى وتهيئ المجال بذلك لانتشار المطبوعات المختلفة ذات المستويات المستبحرة الضاربة في مجالات الفكر المحلق وميادينه.
وما دمنا بصدد الحديث عن المثقفين فإن من الضروري أن نضع في حسباننا مدى الأهمية التي تكتسيها ظاهرة «التأجنب» في المحصول الثقافي والاتجاه الفكري عند الكثيرين منهم .. هذه الظاهرة التي -وإن كانت عادية طبيعية من حيث المبدأ (لأن استقاء المعرفة(1) من الأجانب يعد شيئا مألوفا في العصر الحديث وفي العصور القديمة أيضا) إلا أنها مع ذلك- وباعتبار الصفة اللاقومية المطلقة التي كان يصطبغ بها التعليم في بلادنا خلال عهد الحماية -قد أصبحت من أكثر نقط الضعف بروزا في كياننا الحضاري القومي ومن أكثر المواطن تأثيرا على حاضرنا النضالي من أجل استكمال الاستقلال، ومستقبلنا الفكري كأمة واعية لذاتيتها، مقدرة لمسؤولياتها في حظيرة الأسرة العربية والإفريقية والشرقية، وتجاه التحديات الحضارية الضخمة التي تزخر بها حياة العالم في العصر الحديث. ومما لا يتطرق إليه الظن أن من بين المهام التي يضعها علينا واجب السعي في توسيع نطاق الإنتاج والاستهلاك الثقافي بالمغرب- من بين هذه المسؤوليات مضاعفة الجهود من أجل تعريب هذا الصنف من المثقفين «المتاجنبين» فكرا واتجاها: تعريب ألسنتهم، وأكثر من ذلك: تعريب عقولهم وأفكارهم ووجداناتهم، ومساعدتهم بذلك على الإسهام -بما يتوافر لهم من إمكانيات ثقافية ثرة الينابيع أحيانا- في النضال من أجل الانبعاث الفكري والثقافي بهذا البلد، وبذلك فقط يجوز لنا أن «نسترد» ونضم إلى عالم الإنتاج والاستهلاك الفكري بالمغرب قطاعا جديدا يمكن أن تكون مشاركته في بناء جوانب من النهضة الفكرية والثقافية المغربية ذات صبغة حاسمة وباتة.
ولا مجال للجدل في أن البناء الفكري عند بعض من هؤلاء المثقفين وغيرهم قد يكون على مستوى معين يمكن اعتباره رفيعا في بعض الأحيان، وبالنتيجة لذلك فإنهم غالبا ما يتطلبون -في مجال حاجياتهم الفكرية والثقافية إنتاجا متساميا عميقا، موغلا في الإطلاق والتجريد من جانب، أو مغاليا في التحليل والتمحيص من جانب آخر، وليس هناك من اعتراض على ما يمكن أن يكون عند هؤلاء -باعتبار كل هذا- من منازع فكرية مجنحة، وعدول إلى ارتياد مجاهل الفلسفة واللاهوت أو آفاق الآداب والفنون أو ميادين العلوم التجريبية والمختبرية أو غير ذلك، إلا أن كل ذلك لا يجب أن ينسي هؤلاء وغيرهم حقيقة الأوضاع الفكرية والاتجاهية التي تسود غالبية أفراد الشعب، وطبيعة المتطلبات التثقيفية والتوجيهية التي تقتضيها أحوالها وظروفهم، وإذا ما وضع هذا في الاعتبار فإن من شأنه أن يقود جميع رواد الفكر والثقافة بهذه البلاد -سواء على الصعيد الرسمي أو الخاص- إلى استيعاب مدلول الغذاء الفكري الذي يجب أن يقدم إلى الجمهور شبه المتعلم، وذلك على أساس أن تكون العناصر التي تؤلف مادة هذا الغذاء في مستوى يؤهلها للنفوذ إلى صميم عقلية الجماهير (المفروض أنها قادرة نسبيا على القراءة) وإشباع حاجياتها العقلية الأساسية والإجابة عن تساؤلاتها واستفهاماتها الملحة المتكاثرة، وتحليل عوامل حيرتها وارتباكاتها الذهنية والوجدانية، وقيادتها أخيرا إلى ميادين أكثر رحابة وفساحة تصبح فيها أشد قوة على استبانة الفهم الصحيح لحقائق الحياة، وأوفر قدرة على استشراف آفاقها الواسعة الشاسعة، وغنى عن التوضيح أن بوادر الإنتاج الأدبي والثقافي المتأبية على هذه الاعتبارات والمقتضيات لا يمكن أن تتوافر لها ظروف النجاح من اجتذاب الأفراد العاديين إلى الانفعال بمؤثراتها، والتلاؤم مع الإيحاءات المباشرة أو غير المباشرة، تلك التي تنطوي عليها، وإذا ما أتيح لها بالعكس من ذلك أن تحصل على بعض النجاح في هذا السبيل فإنه لا يعدو -في الغالب الأعم- أن يكون نجاحا سطحيا موقوتا يقصر عن الثبات أمام عوامل الزمن، ولا يستطيع أن يقاوم طبيعة الحقائق التي تشكل الواقع النفساني والعقلي الموجود.
(1) من الضروري هنا بالطبع التمييز بين سبيل المعرفة المؤدي إلى الحصول على مجرد معلومات واكتساب خبرات ومهارات وبين الثقافة بمالها من صلة بتكييف العقل وتوجيه الفكر والتأثير على الوجدان.