فهرس الكتاب

الصفحة 4065 من 5287

فابن جرير الطبري -وهو إمام المفسرين- لم يأت في تفسيره الكبير إلا بوجه واحد، رواه من ثلاث روايات،: الأولى من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"أي ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.

الثانية- قال حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"قال: لم نغفل، ما من شيء إلا وهو في الكتاب، أي في أم الكتاب، كما هو مبين في الرواية الأخيرة عنه.

الثالثة- قال حدثني به يونس مرة أخرى قال في قوله"ما فرطنا في الكتاب من شيء"قال: كلهم مكتوب في أم الكتاب 10هـ.

وهذا ما جاء في تفسير ابن جرير، وهو الوجه الأحق الذي يتفق والآيات الأخرى من أمثالها في القرآن مشاركة في الموضوع الواحد بالقرائن الحاقة والبساط المخصص، وبشهادة الواقع الذي يكشف عن الصواب بحق وصدق. ومن أعظم الشواهد -جملة وتفصيلا- تفسير القرآن بالقرآن، وكفى به تفسيرا واضحا يقطع الشك باليقين، ويزيد الذين اهتدوا هدى واطمئنانا.

وفي اقتصار الإمام الراوية محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى على هذا الوجه الوحيد من غير أن يذكر غيره مع كثرة اعتنائه بجلب الروايات وشدة حرصه على استقرائها، وسرد أقوال الصحابة والتابعين- فيه ما فيه، وذلك ما يدلنا -فيما يظهر- على أنه لم يوجد وجه آخر، أو كان موجودا إلا أنه لا يعتمد عليه، أو هو مما لا يلتفت إليه عند المثبتين المحققين، فوجوده كالعدم.

وكذلك الإمام ابن كثير -على توسعته في الرواية- لم يذكر في تفسيره سوى هذا الوجه الذي اقتصر عليه ابن جرير من قبل.

وهكذا جار الله الزمخشري صاحب الكشاف لم يذكر في تفسيره إلا الوجه المقتصر عليه لدى المحققين.

وفي تفسير الجلالين ما نصه بالحرف عند قوله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"اللوح المحفوظ-"من شيء"لم تكتبه، ولم يزد على هذا شيئا آخر.

وممن اقتصر من المتأخرين- على تفسير آية سورة الأنعام بوجه واحد لم يتعده الأستاذ الرباني سيد قطب في تفسيره العجيب"ظلال القرآن"عند قوله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"-أي- ما تركنا في الناموس الذي ينتظم الوجود من شيء إلا وانتظمه ذلك الناموس ودبر أمره ونظم علاقاته بما سواه في هذا الوجود إلى أن قال: هذه آية كونية واضحة معروضة على الأبصار والبصائر، فما يكذب بها إلا المطموسون الذين يعطلون جوارحهم وإدراكهم عن تملي هذه الآيات -التي جاءت بعد قوله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يحشرون"-"والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات، من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم"وإذا فقد المرأ حواسه ونطق وهو في الظلام فقد تعطلت حواسه الهادية، وكان مصيره إلى الضلال.

أما المفسرون الذين قالوا بالجوهين أو جاءوا بالروايتين، مقدمين في تفاسيرهم الوجه الأول على الوجه الثاني الذي أغفله المحققون، جاعلين له الصدراة في تفسيرهم، مما يدل على ترجيحهم إياه، واعتنائهم بتقديمه، واحتفالهم بالفهم الأول دون الثاني، معبرين في حقه بكلمة"قيل"الدالة على ضعف الرواية، وفي مقدمتهم الإمام القرطبي في تفسيره الشهير.

واستمع إليه يقول -في الآية:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"أي في اللوح المحفوظ، فإنه أثبت ما يقع فيه من الحوادث، (وقيل) أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول صلى الله عليه وسلم أو من الإجماع إلخ.

وفي تفسير البيضاوي:"ما فرطنا في الكتاب من شيء"يعني اللوح المحفوظ، فإنه اشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد- أو القرآن فإنه دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا مفصلا أو مجملا.

وفي تفسير النسفي -"ما فرطنا في الكتاب من شيء"أي في اللوح المحفوظ"من شيء"من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت- أو (الكتاب) أي القرآن، وقوله"من شيء"يحتاجون إليه فهو مشتمل على ما تعبدنا به عبرة وإشارة ودلالة واقتضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت