فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وما لنا والاحتجاج بالأقوال، وباستطاعتكم أيها الزملاء الكرام أن تتعالوا معي إلى بلادكم المغرب، فتشاهدوا بأم العين معالم هذه الحضارة مائلة أمامكم في أسلوب البناء، وفن المعمار وما يزينه من زخارف ونقوش، وتوريق وتذهيب وتطعيم وتنزيل، وهذه (المقربصات) الجميلة التي تخرم السقوف خشبية أو جبصية بتجويفها البديع، وتلك (البخاريات) البارعة التي تملأ الأركان وتتوج (الباحات) ببروزها العجيب، وما يتقاطر ويتقاطع خلال ذلك من أعمدة رشيقة وأقواس لطيفة، وشبابيك مشغولة أحسن الشغل، (وشمسيات) مرصعة بقطع الزجاج الملون أجمل الترصيع، إلى (البلاطات) المفروشة بأفخر أنواع الرخام المجزع والجدران المكسوة بأزر (الزليج) الدقيق الصنع، الناصع التلوين، كأنه خمائل الزهر، تستند إليها هنا وهناك (السقايات) الرائعة التي تنوق في وضعها وتجميلها أعظم التنوق، متدفقة الأنابيب بالمياه ذات الخرير المطرب، على حين تنتصب (الخصات) المرمرية الأنيقة في وسط الصحن تقذف الجو بخيوط الماء الفضية المتواثبة، كأنما تحاول الرجوع إلى المكان الأرفع الذي هبطت منه فلا تكاد تبلل غصون البان المترنحة بعليل النسيم، أو تطالع (شراجيب القبب) الخضر حيث تجلس الحور العين، حتى تعود متناثرة إلى الأرض في شكل قطرات كما يتناثر العقد إذا انفرط.
ربما يقول قائل أننا نصف حمراء غرناطة، والأمر إن كان كذلك فإنه يتعلق بحمراوات عديدة، في فاس ومراكش والرباط والبيضاء وتطوان وغيرها من مدن المغرب. وإذا كانت الحمراء وهي خاوية على عروشها تستهوي أفئدة الزائرين من كل حدب وصوب، فإن نظيراتها هذه تجلي للناظرين وهي مفروشة أحسن الفرش منجدة أجمل التنجيد، بكللها وأروقتها وبسطها و (لحفها) وزرابيها المبثوثة، و (أسطرمياتها) المنعوتة، و (الحائطيات) خوخاتها) من الديباج وشرفاتها من (الأطلس) ، والوسائد مطروزة بأبدع الطرز، ومغشاة بنسيج الدمقس، إلى كل ما ينسجم مع هذه الأشياء من أرائك ونضائد، و (صينيات) وموائد، وأثاث رفيع وماعون بديع، تقدم فيه أفخر أنواع الأطعمة، ويسقى منه بآنية أجمل آنية فإن الحضارة أيها السادة أعظم ما تظهر في المطعوم والمشروب، ولذا قال بعض الحكماء"أرني مطبخ أية أمة، أحدثك عن حضارتها".
ومإذا أقول عن هذه الأطعمة وقد خصها أحد المؤلفين في عصر الموحدين بكتاب أحصى فيه أكثر من خمسمائة لون من ألوان الطعام والشراب والحلوى والمربى وما إلى ذلك، مما كان يعمل للخلفاء الموحدين والأمراء منهم، ورجال دولتهم على العموم، ومنها ما يحمل اسم بعضهم لكونه يعجبه كثيرا، أو لكونه من اقتراحه، ومنها ما يعرف باسمه العلم، ومنها ما يعرف بصفته، وكثير من هذه الأسماء لا يزال مستعملا عندنا إلى الآن، والمهم أن من هذه الأطعمة ما ينسبه بعض الناس إلى الأتراك، ويعتقدون أنه مما أخذ عنهم أثناء حكمهم لجارتنا الجزائر فظهر بعد الوقوف على هذا الكتاب أنه كان موجودا قبل ظهور أمر الأتراك ووصولهم إلى المغرب بكثير.
ولا يتم هذا الوصف بدون إحضار جوق الطرب الأندلسي والاستماع إلى نغمات هذه الموسيقى العربية الخالدة، التي وضع أصولها زرياب وسجل أغانيها الحائك، فهي لانسجامها زمانا ومكانا مع المظاهر الحضارية الموصوفة تعد عنصرا نفسيا من عناصر الحضارة المغربية. أما زمانا فلأن قطعها الغنائية مقسمة بحسب ساعات الليل والنهار، فمنها ما يختص بالعشية ومنها ما يختص بالصباح، وقل مثل ذلك في بقية الأوقات، وإما مكانا فلأن من هذه القطع ما لو شئتم أن تتمثلوا أنفسكم في دار اخلد تصغون إلى ألحانها العلوية، لأمكنكم ذلك بالاستماع إلى نوبة الأصبهان التي يقال أنها نغمات الجنة.
ما جنة الخلد إلا في دياركم *** ولو تخيرت هذي كنت أختار
لا أسترسل في وص هذه المباهج وهي إنما تمثل الجانب المادي من حضارة بلغت القمة في اصطناع العلم، واعتماد المعرفة حتى في مجال الحكم والعمل السياسي، بحيث تحقق في ظلها القول المأثور"إذا حكم الفلاسفة وتفلسف الحكام سعدت الدنيا"، ألم يرعها يوسف بن عبد المؤمن وهو الخليفة الفيلسوف ويستوزر أمثال ابن طفيل وابن زهر وابن رشد وهم الفلاسفة الذين ملأوا سمع الدنيا وبصرها!.
ولكن هذا مجال رحب، وللكلام فيه ذيل سحب، فلنكتف بالإشارة إلى ما نحن بصدده من مباحث اللغة والنحو وتيسير الكتابة، وهي مجال عملنا في هذا