فهرس الكتاب

الصفحة 4073 من 5287

المجمع، لننظر كيف أسهم المغرب قديما في خدمة العربية كما تخدمونها اليوم بموضوعية واختصاص ومنطق، أي بالطرق العلمية والأساليب المنهجية مستهدفا ما تستهدفونه من إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، مع أثراء اللغة وتسهيل مداركها للعموم.

فالأبحاث التي حررها الإمام السهيلي دفين مراكش في تطور دلالة كثير من المفردات العربية خلال الزمن، وأودعها كتابه القيم"الروض الأنيق"الذي طبعه ملك المغرب الأسبق مولاي عبدالحفيظ، هي مما لا يقل شأنا عن الأبحاث التي يقوم بها المختصون في هذا الشأن من علماء العصر. ومثلها أبحاث العلامة أبي القاسم الشريف في شرحه لمقصورة حازم، الذي طبع بعناية أحد الولاة المغاربة، وأما الكتاب الذي ألفه العلامة ابن هشام اللخمي في الرد على الزبيدي وابن مكي فيما زعما أنه من لحن العامة، فقد كان دراسة تحليلية للألفاظ واشتقاقاتها، ونقضا لمآخد هذين العالمين بالحجة والبرهان، وهو لا يزال خطوطا ينتظر النشر العلمي الجدير به، ومثله كتاب العلامة ابن هانئ السبتي المسمى"إنشاد الضوال وإرشاد السؤال في لحن العامة"وامتازت تحقيقات ابن الطيب الشرقي بالعمق والأصالة في كل ما كتبه من موضوعات لغوية شتى، ولا سيما حاشيته على القاموس المحيط التي استقى منها السيد مرتضي الزبيدي في تاج العروس، وعول عليها وعلى مؤلفها إذا كان استناده المعتمد في علم اللغة تعويلا كاملا، وهي لا تزال مخطوطة أيضا.

ولون آخر من البحث اللغوي قريب من المعاجم العلمية التي تهتمون بوضعها الآن، وهو يتمثل فيما ألفه جماعة من أهل الاختصاص في الطب على الخصوص من كتب لتعريف المفردات الطبية، وذكر مرادفاتها في اليونانية والرومية، يعنون اللاتينية، وفي العامية المغربية والبربرية، وذلك كما فعل ابن الحشا في كتابه"مفيد العلوم ومبيد الهموم"الذي فسر فيه الألفاظ الطبية الواقعة في الكتاب المنصوري للرازي، وهو مطبوع في الرباط، وكما فعل أبو القاسم الوزير في كتابه"حديقة الأزهار"المعروف بمفردات الوزير وهو ما يزال مخطوطا، وكما فعل أخيرا السيد عبد السلام العلمي وهو ممن درس الطب بمصر في أواخر القرن الماضي، فكتب رسالته"ضياء النبراس في حل مفردات الأنطاكي بعامية أهل فاس"وهي يعني بالأنطاكي الشيخ داوود صاحب التذكرة المعروفة في الطب القديم .. على أنه ذكر اصطلاحات طبية حديثة، ومسائل أخرى مما يتعلق بعلم الكيمياء والتشريح وقعت في كتاب"كنوز الصحة"من مؤلفات أوائل عصر النهضة.

وشرع في كتاب آخر قال عنه في طالعة هذه الرسالة"لما توجهت بالإذن الشريف لمصر القاهرة بقصد المزيد مما يخصني من علم الطب الجديد ووجدته مطلمسا باصطلاحات غامضة، وأسماء غريبة شرعت في مؤلف خاص ببيان تلك الاصطلاحات كاشف لرموز تلك العبارات وهو مؤلفنا المسمى"بالأسرار المحكمة في حل رموز الكتب الطبية المترجمة"فلما رأى ذلك بعض المحبين ممن لا تمكنني مخالفته وعلم أن لا بد لإتمام ذلك الكتاب مختصرا مفيدا، لمن كان للطب القديم مستفيدا إلخ ... ورسالة ضياء النبراس هذهةمطبوعة بفاس."

هذا في ميدان العمل اللغوي البحث، وفي النحو كانت محاولة الأستاذ أبي موسى الجزولي لتقنين هذا العلم فريدة من نوعها، وبقيت كراسته المسماة بالقانون وبالاعتماد أيضا، موضع الدراسات والتعاليق والشروح من نجاة القرن السادس الهجري إلى ما بعد، حتى قال فيها بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته كما حكاه عنه ابن خلكان"أنا ما أعرف هذه المقدمة وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو"وكان أبو موسى الجزولي من كبار النحاة في عصره، ويحكى أن أبا علي الشلوبي قصد مراكش وهو يدل بما يحويه من بضاعة نحوية عظيمة فدخل إليها من باب دكالة، مر بمسجد هناك سمع فيه لغطا فدخله فإذا أبو موسى في مجلسه، والطلبة ملتفون حوله، فدنا منه وأنصت إليه، فعجب من تبحره وسعة إطلاعه، وغوصه على الفرائد، وقال في نفسه إذا كان هذا حال رجل منهم منعزل في ناحية نائية، ومسجد صغير من البلد، فكيف يكون حال غيره ممن هو أكبر منه قدرا وأعلى شأنا؟ ورجع من حيث أتى إلى بلده وكان بعد ذلك ممن شرح الكراسة الجزولية بشرحين كبير وصغير. وما تزال الكراسة وشروحها لم تعرف طريق المطبعة.

ولقد شهد القرن السادس في المغرب نشاطا كبيرا في مجال الدراسات النحوية ولكنا لا نشير إلا إلى الأعمال الطريقة الرامية إلى الإحياء والتجديد، ومن ذلك مشروع العلامة بن مضاء لإصلاح النحو المضن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت