فهرس الكتاب

الصفحة 4169 من 5287

في الحقيقة رأس مال المغرب العربي، وهنالك شبكة صالحة للطرقات والسكك الحديدية والموانئ تسهل بكثير التبادل بين أقطار المغرب العربي كما تسهل عليها التبادل مع الخارج، وهناك أنواع من الطاقة التي لا يمكن بدونها تأسيس صناعات عصرية كبرى، ولنذكر منها الكهرباء والفحم والبترول والغاز، على أن إحصاء المواد ما زال لم يتم في إفريقيا الشمالية وما زالت الأبحاث جارية عن الإمكانيات الموجودة في كل القطاعات، بحيث أنه لا يمكن الخروج من الآن بقول نهائي في الموضوع.

ومع ذلك، فإن المعلومات المتوفرة من الآن تخول للاقتصاديين أن يقدموا نظريات مبنية على أسس حقيقية معقولة، وأول ملاحظة يمكن أن نبديها في هذا الصدد هي، كما ذكرنا في الأول، أن دول المغرب العربي متخلفة من الوجهة الاقتصادية، والدولة المتخلفة يصعب عليها اليوم أن تتمتع باستقلال اقتصادي حقيقي إن هي بقيت منعزلة، فكلما حاولت الخروج من وضعيتها تجد نفسها مضطرة للمساعدة الخارجية ولجلب رؤوس الأموال الأجنبية، وهذه المساعدات يستحيل عليها أن تحرزها بدون مقابل، بحيث أن تلك الدولة تجد نفسها في النهاية ملزمة برهن جزء من سيادتها إن أرادت المحافظة على شيء من التوازن في اقتصادها.

فإذا أمكن لدولة متخلفة كهذه أن تدخل في وحدة اقتصادية مع دول متخلفة مثلها، فإنها ستصبح أقوى على مواجهة مشاكل التخلف، وهذه ملاحظة يمكن تطبيقها على المغرب العربي.

فالمغرب العربي، إذا تكون كوحدة اقتصادية متماسكة، سيستفيد من جهتين: من جهة علاقاته مع الدول الرأسمالية ومن جهة إنمائه الاقتصادي والزيادة في دخله القومي.

فإذا نظرنا إلى علاقات الدول الرأسمالية الكبرى، نجد أنه باتحاده ستصبح له مكانة أكبر لدى هذه الدول، وبالتالي سيحصل على مساعدات هامة مع شروط خفيفة، ذلك أن تلك الدول ستحرص على صداقة المغرب العربي، نظرا لموقعه الجغرافي ولمركزه في القارة الإفريقية وتأثيره عليها.

ثم إن الدول الرأسمالية المعروفة بسياستها المتقلبة ستفقد أمام اتحاد المغرب العربي كل إمكانيات المراوغة والتلاعب واستغلال الخلافات الطارئة، لأنها ستجد نفسها أمام وحدة متلاحمة قوية، فلا بد لها إذن من أن تتفاهم معها على أسس جدية.

يضاف إلى كل هذا أن المغرب العربي سيكون سوقا تجارية يقطن بها زهاء الثلاثين مليون نسمة، ولربما تضاعف هذا العدد بعد مرور جيل واحد، وهو بهذه الصورة سيغري كثيرا من الدول بالتبادل معه والتعاون على أسس حرة سليمة.

ومن جهة أخرى، فهناك حادثة اقتصادية هامة ستضطر دول المغرب العربي لا محالة إلى السعي من أجل توحيدها الاقتصادي، ذلك هو تأسيس السوق الأوربية المشتركة، الذي سيخلق تعاونا وتضامنا بين دول أوربا في الميدان الاقتصادي، وستصبح هذه الدول بالطبع يتمم بعضها البعض ولربما استغنت في كثير من حاجاتها عن الخارج، وبما أن معظم التجارة الخارجية للمغرب العربي تقع مع أوربا، فغير خاف ما ينطوي وراء إنشاء السوق الأوربية المشتركة من مساس بالمصالح التجارية لدول المغرب العربي ولهذا فإن الاتحاد فيما بينها هو الذي سيجعلها أقدر على مواجهة المشاكل من هذا القبيل التي يمكنها أن تنجم في المستقبل.

وإذا نظرنا الآن إلى المسألة من جهة الوضع الاقتصادي الداخلي للمغرب العربي الموحد نجد أن إمكانيته ستتسع من كل الوجوه، فالتبادل داخل مجموعة المغرب العربي ستضاعف، وسينفتح الباب لرواج المنتجات الوطنية ويتسع السوق الوطني الداخلي، كما أنه سيوضع حد للفوضى في التبادل مع الخارج وذلك بتنسيق الإنتاج والإصدار وتحديد الأثمان وغير ذلك من التنظيمات التي هي وحدها الكفيلة بصيانة مصالح المجموع.

فهناك منتجات تتشابه في البلدان الثلاثة مثل الفوسفاط والحلفاء والزيتون والحوامض والعنب وغيرها، وسيسهل الدفاع عن هذه المنتجات في الأسواق العالمية في دائرة الوحدة أكثر مما لو بقيت كل دولة تعمل لحسابها الخاص، وهنالك مواد أخرى ينفرد بها كل قطر على حدة، ولنأخذ مثال منجم الغاز بحاسي الرمل في الجزائر، فالخبراء يقدرون أن هذا المنجم ينطوي على مدخر عظيم من الطاقة يكفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت