فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تصور العقل الإنساني من نفسه. هو علم الواقع والطبيعة المشاهدة. والأجدر إذن بالعبادة ليس الله كما يدعو رجال الدين، وليس الإنسان كقوة مدركة، كما يدعو رجال الفلسفة العقلية، وإنما الأجدر بالعبادة هو «العلم» ومحراب العابد ليس الكنيسة، وليس البحث «النظري» ، بل هو «المعمل» الذي تجري به التجارب على خصائص هذه الطبيعة المادية.
والحضارة الإنسانية لا يكونها تراث الماضي الروحي أو العقلي، بل يكونها فحسب ما ينتج عن هذه التجارب الطبيعية. يكونها «العلم» وما له من نتائج مادية غفي حياة الإنسان. و «الآلة» ابرز هذه النتائج، والصناعة في مختلف جوانبها من أفضال الآلة على الإنسان. والحضارة الصناعية لذلك هي الحضارة الحقة التي يجب على الإنسان أن يستمر على البناء فيها لتحقيق حياة أفضل.
ولكي تضفي الماركسية على «العلم» هالة من القداسة، وتجعل له كيان المعبود يجب على العابدين أن يتقدموا في عباداتهم له بقربان- والقربان هنا الإسهام في نمو الحضارة الصناعية - دعت الشيوعية إلى «الإيمان» من جديد، ودعتهم إلى «الاعتقاد» بتثليث آخرك العلم والمجتمع، والدولة. وأصبحت الفلسفة الماركسية دينا وعقيدة.
وهنا يلاحظ أنها بتأكيدها مبدأ الواقع لتقوض الدين والإيمان، انتهت من جديد، عن طريق الواقع نفسه، إلى الدين والإيمان. ولكن ليس إلى دين الله، إلى دين الطبيعة، وليس إلى الإيمان بالله، بل إلى الإيمان بمصنوع الإنسان.
وتقديس العلم وتأليهه يجعل له سيادة على الإنسان، وليس في خدمته. وتقديس المجتمع وتأليهه يدعو أفراده إلى التضحية والإفناء فيه دون انتظار جزاء منه. وتقديس الدولة وتاليهها يجعلها تطاع دون أن تناقش.
ليس هناك إلا الإله الجديد. والإله الجديد هو ذلك «الثالوث» الذي ادعت الماركسية أنهم، واقع الطبيعة التي ترى وتشاهد مع انه نفسه لا يرى ويشاهد. فنحن لا نرى العلم، بل نتصوره. ولا نرى المجتمع وإنما نتصوره أيضا على انه جملة من الروابط المشتركة بين الأفراد، ولا نرى الدولة وإنما نحس آثارها فحسب في «التنفيذ» . نحن لا نرى إلا تجارب، والتجارب ليست هي العلم، بل هي مقدماته. ونحن لا نرى إلا أفرادا يحيون حياة امنوا بها، ويعيشون عيشة ارتضاها لأنفسهم أو اكرهوا عليها. والأفراد ليسوا هم المجتمع، وإنما هو لبنات فيه. ونحن لا نرى إلا أفرادا مشرعين مقننين، وأفرادا آخرين حارسين ومنفذين. والمشرعون والمنفذون من الأفراد في خدمة الدولة وليسوا هم الدولة نفسها.
والإله الجديد في الدين الجديد إذن في الواقع المشاهد. وقد أنكرت الماركسية الله من قبل، لأنه لا يوجد في الواقع المشاهد. وبذلك تنكر بناء على تبرير خاص، ثم فتؤمن بما يقوم على ذلك التبرير الخاص ذاته.
وفي الدين الجديد ليست هناك خشية من اله إلا اله العلم والمجتمع والدولة، والعلم والمجتمع والدولة من صنع الإنسان، بدليل أن الإنسان البدائي يوجد من غير علم وغير دولة. فوجود هذا الثالوث وجود طارئ على وجود الإنسان. وإذن هو من خلق الإنسان وليس من خلق نفسه. ويوم يبتعد عنه الإنسان، يوم يتوقف وجوده، وتتوقف حياتهن ومن ثم يعتريه الاضمحلال فالفناء. فهو اله عاجز عن الخلق وان بدا في صورة عملاق خالق. وهو اله لا ستغني عن غيره، وان بدا انه يعطي الحياة لغيرهن وهو بعجزه وباحتياجه في واقع أمره لا يستطيع أن يوجه الإنسانية إلى الخير. وهو لا يفتقد فحسب تمييز الخير من الشر، بل مع ذلك يفتقد القوة الذاتية التي توجه إما إلى الخير وإما إلى الشر.
العلم- وهو ركن في الثالوث المؤله- يدفعه الإنسان نحو الخير ونحو الشر، وهو لا يدفع نفسه. وكذلك الشأن في المجتمع والدولة يدفعهما الإنسان- وهو القائد والموجه- نحو الخير ونحو الشر، وهما لا يندفعان من ذاتهما نحو هذا أو ذاك.
وإذن فالإنسان الذي كان من واجبه في هذا الوضع أن يكون معبودا أصبح عابدا. والماركسية بذلك لا تدعو إلى «النكسة» في الإنسانية واسترقاق الإنسان واستذلاله ل «وثن» لا يملك لنفسه الحياة والاستمرار فيها مستقلا عن غيره، فضلا عن أن يوجه غيره ويقوده. وإنما في الوقت الذي تفرغ فيه الماركسية قلب الشيوعي من الإيمان بالله الخالق فتنزع