فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 2

الجواب

أهنئك من أعماق فؤادي تهنئة حارة حين انتصرت هذا الانتصار الباهر، ومن كان في مثل ذكائك وثقوب ذهنك وإنصافك واعتمادك على ترقية نفسك بنفسك، يكون دائما النجاح حليفك، والفلاح لزيمه.

زال عنك الشك، وانقشع الضباب أمام عينيك، فما كان الإنسان ليدوم شكه فيما يشعر به شعورا لا مراء فيه، ويحس به في ذاته وفي كل ما يحيط به من كل ما تجول فيه مدارك عقله وحواسه، إلا ريثما ينتبه إليه، فإذا به حقيقة واقعة بلا ريب، فإن لم يلمسه بيده لمسا، فإنه يشعر به شعورا، فغن أرواحنا لا نلمسها بأيدينا إنما نشعر بها، ومع ذلك لا شك بعثورنا في أنها موجودة في ابدأننا وجودا محققا لا يقبل أدنى ريب. تملصت من التقليد ثم اعتمدت على نفسك فاستطعت أن تثق لنفسك طريقا لم يكن ليستطيع الإهداء إليه أسرى التقليد، والمصفدون بالأوهام والوساوس، ممن واعتسافا.

كنت تسدر في غلو انك، فصدئت مراءة فكرك ما صدئت، فلما إليها بالعمل المجد، ومسحت صفحتها مسحة واحدة، فإذا بها مشرقة مصقولة، ترسم فيها الحقائق كما هي غير مغلقة ولا مبهرجة.

تذوقت الشربة الأولى من كأس العمل والبحث، فإذا بك تنسى مباهج الحياة، ومناغاة الغواني، وملذات السمر في اللهو، فصرت تتنكر لمعاشريك، وتود لو أنهم ساروا في واد، وتركوك في واد آخر، وكذلك لذة المعارف، وخمرة الوجدان، فمن ذاقها يعلن الملأ أنه ما ذاق قط مثلها، قال اليهوبوريت:

(غني لم أشعر في حياتي قط بسورة الفخر، كما شعرت حين فهمت للمرة الأولى معاني الخمسة عشر بيتا الأولى من إلياذة هوميروس) .

وأما سؤالك الذي وجهته، فسأجيبك عنه بعد أن تدرس ما وصلت إليه، تحت سماء ما يقوله علماء الأرواح (اسبر تزم) ثم أن أعلنت إلى النتيجة المتحصلة لك، رجعنا على موضوع سؤالك، فلا تقتصر على أمثال كلام (ريتان) ومن ذكرتهم، ل لا تكتفي أيضا بمدارسة ما عند (كانت) الألماني ونظرائه، فإن ذلك لا يكفي وحده، بل أحب منك أن تلم بما عند الذين يروجون دائما بأبحاثهم فبما وراء المادة، ويقولون أنهم حصلوا بذلك على نتيجة هائلة، فقد أعلنوا أن هناك معنا عوالم عظيمة حية مدركة، استطاعوا أن يتحادثوا معها بواسطة من يصلحون للتوسط، وهذا المذهب الروحاني جديد في عالم الأبحاث عند علماء الغرب الذين كانوا قبله كافرون بكل ما تقوله الأديان، فلما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بأبحاثهم واستقراءاتهم واكتشافاتهم، رجعوا يحملون إلى العالم معلومات عظيمة هزت الأفكار هزا، وأقامت آلافا من علماء المادة وأقعدتهم، فاكب كل واحد على البحث في ذلك على حدة، ثم زاد العجب عند الناس هناك قاطبة، إعلانات متتابعة من البحائين الجدد، بأن تلك العوالم حقائق لا سبيل إلى أي شك فيها، فهكذا صار غالب الماديين الذين جلبوا على الإنصاف، يتراجعون عن فكرتهم القديمة المؤسسة على أن لا موجود إلا ما يحسون به فقط، فهناك كائنات جديدة لا ترى ولا تلمس، توجد إزاء المادة وجودا لا مراء فيه، هذه المباحث لم تبدأ إلا من أواسط القرن التاسع عشر فقط ثم لم تنشب أن بلغت من اتساع ندواتها وكثرة مجلاتها اتساعا عظيما، ومثلك الذي ذاق لذة البحث، وصار يتطلب الكمال لنفسه، وأبى إلا أن يستولي على المكانة التي تأهل لها، لا ينبغي له وهو يدرس الموضوع الذي يدرسه أن يغفل دراسة هذا المذهب الذي يحكون عنه عجائب وغرائب، يبعد في العقل أن تصدر كلها عن تمويه وتزييف وشعوذة، ثم لا يغيبن عنك أن مستقبل نتيجة دراستك المتقدمة، متوقف على ما يتحصل لك من دراسة مذهب الروحانيين، ثم إذا أعلنت لي ما حصلت عليه، إلى النظر حول سؤالك،

دمت للرقي والتفوق والنشاط في المباحث.

أخوك: (فلان)

بعد أيام قليلة توصلت منه بهذه الرسالة:

كنت احسبني في العالم، ورأى لي مقاما في صدور الرجال العقلاء، ومكانة بين العلماء النبهاء، حتى ادعيت أمامك يوما ما عبقرية استطيع أن استبدل بها أمة من حال إلى حال، إلا أنني الآن وقد صرت أضع يدي ساعة فساعة على براهين كثيرة، تدل على تراكم جهلي وعمه يصيرني، من أجل غرقي فيما يغرق فيه السادرون في الهواء، المتتبعون لمواقع اللذات، اقدر أن أصرح بغير ما كنت أصرح به أمس على الملأ:

من أين كنت أعلم أن هناك عالما آخر غير ما تقع عليه الحواس، ويتصل بحياتنا المادية؟ فهل كنت قط على استعداد لاستماع هذه الأفكار التي ما كنت اسمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت