فهرس الكتاب

الصفحة 5200 من 5287

يرتفع ضد هؤلاء أو يبين أن أصحاب السيادة في المال وأصحاب العالمية الصهيونية أجانب عن الوطن، أي وطن.

وهنا يكون الإيمان برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام -كما ذكرنا- باتباع هذه الخطوط العامة، باتباع هذه الحدود في معاملة الإنسان لنفسه وفي معاملته لغيره، والمجتمع ما هو إلا إنسان وغيره، فرد وفرد. ومن هنا تتضح قيمة الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبرسالته ويتضح أثرها في تكوين وتوجي الخلقية الدينية.

إن الإيمان بالجزاء الأخروي -كما ذكرنا- باعت الحيوية في هذه الخلقية. هو العامل في استمرار حركتها نحو أهدافها، لأن المعتقد بالله وبرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، -إذا أعتقد إلى جانب ذلك في الجزاء الأخروي- يذكر في كل لحظة أن الجزاء واقع لا محالة، وأنه من أجل ذلك لابد أن يعمل في كل لحظة، وفي كل تصرف، طبقا لما جاءت به الرسالة. ولذلك شدد الإسلام كثيرا في النكران على من جحد اليوم الآخر وما يقع فيه من جزاء: «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا» . «وماذا عليهم لو أمنوا بالله واليوم الآخر» ؟ «إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون» .

حقيقة الإسلام لم يذكر هذه الخلقية الدينية بصريح العبارة ولم يطلبها بهذا التحديد وهذا النص، وإنما طلبها في صورة العمل الصالح، لأن العمل الصالح هو نتيجتها وثمرتها. يقلو الله سبحانه وتعالى: «ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما» . «ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا» . «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» . «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم» .

وإذا تحققت هذه الخلقية الدينية، وتحققت آثارها طبقا للإيمان برسالة الإسلام -كما صورنا- فإن المجتمع الإسلامي عندئذ لا يواجه مشاكل يطلب حلها. لن هذه الخلقية نفسها إذا كانت قوية في الدفع إلى العمل الصالح فإنها تكون وقاية من وقوع المشاكل، إذ مشاكل أي مجتمع إنما تنشأ من النفرة، إنما تنشأ عن عدم الاستقامة في التصرف وعدم التعاون والتوازن، إنما تنشأ عندما تخفت روح التعاطف وتتغلب الأنانية فتفسد بين الناس، عندئذ يواجه المجتمع مشاكل: الفرد يواجه مشاكل مع نفيه ومع غيره، والأسرة تواجه مشاكل في علاقة أفرادها بعضهم ببعض، والأزواج والزوجات يواجهون مشاكل في علاقاتهم وهكذا وهلم جرا.

ولذلك لم تكن تعاليم الإسلام التي يجب الإيمان بها عبارة عن حل أو حلول لمشاكل. وإنما كانت أولا وقبل كل شيء وقاية من المشاكل. ومن هنا كان شعار المجتمع الإسلامي هو: الوقاية قبل العلاج.

وإذ تحدثنا عن الخلقية الدينية أو الضمير الديني في المجتمع الإسلامي ووازنا بينهما وبين القانون الوضعي وسلطته التنفيذية في توجيه المجتمع ودفعه إلى الاستقامة في السلوك وحسن المعاملة -فإنا لا نريد أن نحط من القوة التنفيذية والرقابة العمة في المجتمع. لا نريد أن نحط من قيمة هذا، ذلك لأن المجتمع، مهما استقام أفراده، سيبقى فيه نزاعون إلى الشر والإفساد والعبث؛ بل إن من أفراده من يكون متحديا للقيم الأخلاقية الفاضلة، وللمثل العليا، وللاستقامة، ولصالح المجتمع العام ولو قلة. وربما تضعف هذه القوة الخلقية يوما ما فيكثر الفساد والعبث إذا لم يكن هناك سلطة تنفيذية ورقابة عامة على المجتمع. والإسلام من أجل هذا لا ينكر قيام مثل هذه السلطة ولا وجود مثل هذه الرقابة وإنما يطلبها وينشدها لأن طبيعة الإنسان هي طبيعة الإنسان: فيها البر والفاجر وفيها المستقيم وغير المستقيم وقد سار المجتمع الإسلامي منذ بداية تكوينه في المدينة على أن تكنن هناك رقابة: وأن تكون هناك سلطة تنفيذية. وقد كانت درة عمر رمزا لهذه السلطة التنفيذية وهذه الرقابة العامة.

وكل ما أردناه من حديثنا عن الخلقية الدينية وتأكيدا لقيامها وضرورتها إذن هو أن يحرص المجتمع الإسلامي أو أي مجتمع آخر على وجود هذه القوة فيه، وعلى بقائها ورعايتها لأنه من صالح المجتمع -كما ذكرنا- أن يقاد أفراده عن طريق الدفع الذاتي بدلا من أن يقاد جميع الأفراد عن طريق القانون وسلطته التنفيذية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت