فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 39

أما صنهاجة فإنها قبيلة ترعرعت وامتدت فروعها في أقاليم شاسعة من المغرب العربي وهي تقطن ناحية «القبائل» من الجزائر والصحراء الغربية (حيث يسمون الزناجة ومنها الزنوج في بلاد السنغال) وشرقي الأطلس بين ممر تازة والصحراء وهم الذين ساندوا دولة المرابطين ولا تذكر صنهاجة إلا مقرونة بكتامة وينسب كلاهما على حمير-على ما يقال- وإذا كان اسم صنهاجة ق اندثر في «قبائل» الجزائر فإن البربرية قد اندثرت كذلك وخلفتها اللغة العربية إلا عند جماعة ضئيلة تسكن بين بليدة والمدية (كوتي ص 335) .

وصنهاجة الجزائريون الذين استقروا بين المغرب الأوسط وافريقية ليسوا من القبائل الرحالة مثل بني عمهم المرابطين وقد خلف الفاطميين في المغرب أمير صنهاجة هو بلقين بن زيري بن مناد جزائر بني مزغنة ومليانة والمدية وقد أسس حماد بن بلقين (عام 398 هـ.) القلعة المعروفة بقلعة بني حماد وهي العاصمة الثانية لبني زيري الذين انتقل منهم الناصر بعد ذلك بثلاثة أرباع قرن إلى بجاية وهي العاصمة الثالثة والأخيرة لصنهاجة وقد أكد كوتي أن المملكة الصنهاجة خضعت لتأثيرات الشرق حيث ابرز بيليي في حفرياته الطابع الشرقي الذي تتسم به الهندسة المعمارية (الطابع العراقي في أروقة قلعة بني حماد) (والطابع الفارسي في زخرفة الأواني) .

أما المصامدة فهم سكان الأطلس الكبير الذين ساندوا دولة الموحدين ومنهم أيضا غمارة سكان الريف

وقد اتضح الآن أن مجموع الجبال المغربية و القبائل الجزائرية كلها من البرانس الذين تعد منهم كذلك قبيلة أوربة وهي قبيلة كسيلة الشهير التي كانت تسكن غربي الاوراس حسب «مسكارى» ويقطن عقبها اليوم في سهول وادي العبدي ووادي العرب ويظهر من كلام ابن خلدون أنهم كانوا منتشرين في التل ألوهراني وناحية تلمسان وحتى ممر تازة وقد انتقلوا بعد مقتل عقبة بن نافع وانهزام كسيلة إلى المغرب الأقصى حيث نزلوا مدينة وليلي المعروفة أيضا بقصر فرعون وهذا مظهر لوحدة الجزائر والمغرب الأقصى الجغرافية والتاريخية حيث أن شكلية الأراضي نفسها أقرت رابطة طبيعية بين إقليمي الاوراس والملوية الذين كان أمراء نوميديا (أي الجزائر مثل سيفاكس وماسسنيسة وجوكورطا متأرجحين بينهما.

ولكن أين الصحراء من كل هذا؟ على أية شعبة ينتسب البربر الذين يتغلغلون في أعماق الصحراء المتاخمة للسودان أنهم بربر أشهرهم التوارك أو الطوارق الذين يعتبرهم ابن خلدون من لمطة ولمتونة، إلا أن علماء النسب يرون في هؤلاء فريقين اثنين احدهما اللمطيون واللمتونيون الذين أسسوا الدولة وهناك فريق آخر وهم ملثمو الشرق المعروفون بالهكار وهم هوارة الذين جاءوا من برقة وطرابلس ولعبوا دورا هاما في تونس والاوراس الجزائرية فهم أذن بتر من بني عمومة البرانس.

وقد يلاحظ أنني لم أميز في بحثي هذا بين العرب والبربر وقد فعلت ذلك عن قصد لان هذا الميز يكاد يكون غير موجود سواء اعتبرنا الأرومة العربية للبربر تبعا لرأي كثير من علماء النسب أو اعتبرنا الوحدة الطارئة أثر التوالد والامتزاج بين الجنسين أو مظاهر الوحدة الاجتماعية والفكرية أو غير ذلك فقد أكد مؤلف «عصور المغرب الغامضة (ص 221 - 225) » إن نتائج الفتح العربي بعد مرور اثني عشر قرنا تبعث على الدهشة لأن المغرب استعرب على نطاق واسع كما تغلغل الإسلام في أحشائه وشمل مجموع أجزائه «وقلما أحرزت الفتوحات في تاريخ المعمور مثل هذا النجاح ... لقد شعر ابن خلدون أن إمامه بالمغرب وحدة سلالية كبرى» ثم قال كوتي (ص 254) «إننا نلاحظ خلال مجموع تاريخ المغرب تجاذبا بين الرحل البربر والعرب ذلك أن تشابه مناهج الحياة والعواطف الجوهرية أقوى من اختلاف اللغات» وقد اشرنا إلى ما قاله رونان وهو أن من دعائم الوطن الوحدة الروحية وأهمها وحدة الدين والعواطف فالمغرب الذي احتك نحو ألف من السنين بالحضارة القرطاجنية والبونيقية الشرقية (1) قد احتفظ في قرارة نفسه بإحساسات استعدادات فطرية نصف لا شعورية تتفتح للإسلام « (256) لهذا» فقد اندرج في بحبوحة الإسلام بالمغرب كل من له فكر مثقف وكل من يحس بالحاجة الملحة إلى

(1) امتد إشعاع اللغة البونيقية التي كانت تشتمل على نسبة من العربية من قرطا جنة إلى قابس ومن طنجة إلى بجاية ثم إلى بلاد الجريد والاوراس

(تاريخ المغرب- كوساك ص 31) مثال ذلك ما لوحظ في البونيقية من أن لفظ ملك لها نفس المعنى في اللغتين (سوردون المذكور ص 38)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت