فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص83
«يا الهي انفعني بعقلي .. واجعل ما أنا صائر إليه، أحب إلي مما أنا مدبر عنه؟»
الحقيقة أن إنسان هذا العصر إنسان جديد .. وانه غذ يأبى يكون امتدادا أفقيا لسلفيه، يريد أن يكون امتدادا عموديا صاعدا، وان غايته من الحياة ليست فقط أن يفلسفها، بل أن يحياها.
وأنا زعيم أن هذا هو ما دعا إليه الدين الإسلامي، وجعل ضمانته الكبرى هذه الأخلاق.
فعند ما أراد الإسلام-شأن الأديان جميعا- أن يأخذ بيد الإنسانية نحو مستقبل أفضل، لم يكن يقصد وضع جميع التفاصيل والوسائل، لأنه اعلم من غيره باستحالة هذا وعدم جدواه، بل من اجل ذلك قام بتفجير القيم العليا في شئون الحكم والاجتماع والتشريع والاقتصادي، ودعا إلى احترام هذه القيم وملاحظتها عند استنباط وسائل بلوغها.
ففي الحكم .. رسم الصورة الفاصلة له مؤثرا نظام حكم الجماعة (وأمرهم شورى بينهم) وترك للناس مهمة استنباط التفاصيل وابتكارها، كل امة حسب ظروفها، وكل جيل حسب العصر الذي يعيش فيه.
وفي التشريع نهج نهجا مشابها، فجعله سياجا للحق والعدل والمساواة، ورفض كل قانون ينهض على أنقاضهما، وحتى لا يعوق الإسلام الناس عن التطور أعطاهم استحداث القوانين في حدود قيمه وأهدافه (لا ضرر ولا ضرر) (دع ما يريبك إلى ما لا يربك) وهذا من الدين موقف جليل يهوي بأفئدة الناس إليه، إذ لا يشعرون معه بتأزم أمورهم، ولا توقف نموهم، ولا ضياع مصالحهم.
وشبيه بمسلك الإسلام هذا حيال الحكم والتشريع، مسلكه بالنسبة للأخلاق، فهو يحض على اتخاذها نقطة الانطلاق إلى المستقبل، إلى الفضيلة، إلى السعادة، فيؤكد للناس أن الخير هو وصية الله الخالدة وان الشر طريق الهالكين .. ويلوح لهم بقيم سامية كمثال، فإذا هم مسوقون بإنسانيتهم نحوها، عاملين على بلوغها، بيد انه لا يمنع الناس من مشاركته في اصطناع الوسائل المؤدية إلى هذه القيم، ولا يزجر العلم عن إلقاء كلمته الأخيرة في الأخلاق.
فما هي نظرية العلم في الأخلاق؟ يقول العلم: لكل سلوك إنساني باعث ودافع، أي رغبة توجهنا نحو غاية .. وان بواعثنا مزدوجة: فهناك الباعث الابتدائي، وهناك الباعث الغائي.
فأنت عندما تسلك سلوكا ما، أو تسير في عمل من الأعمال، تحتاج لقوة تدفعك وغرض يناديك، أن هذه القوة الدافعة الحافزة تمثل الباعث الابتدائي، أما الغرض الذي يناديك وتسعى إليه فيمثل الدافع الغائي.
وأخلاقنا لنما توصف طبقا للدافع الثاني أي الغائي، فإذا كان شريفا فاضلا، كانت هي أيضا كذلك، وإذا كان سيئا رديئان كانت هي الأخرى سيئة رديئة
والمحاولة الأخلاقية المثلى تبدأ بتعلية الباعث ودعم سلطانه، لان الأخلاق في واقعها الحق ليست إلا بلورة الباعث وتجسيمه ... ولهذا فالذي يوسف بالحسن أو القبح حقا هو بواعثنا لا أعمالنا .. فقتل الغير مثلا بينما نراه جريمة في حالة، نجده فضيلة في أخرى، تبعا لدوافعه.
فهو جريمة إذا كان الدافع إليه، أو إليه، أو الباعث عليه، الاعتداء.
وهو فضيلة إذا كان الدافع إليه، الباعث عليه، الدفاع عن الوطن.
والباعث الابتدائي الأولى تلقائي، لأنه ينبعث من غرائزنا وقوانا الفطرية. أما الباعث الغائي فكسبي، لأننا نختاره كنوع للغاية وللغرض اللذين ينبهان غرائزنا وقوانا.
ويضرب لنا (هاد فيلد) مثلا .. رجلا سياسيا يخدم وطنه وبلاده، أن الدافع الأولى الذي ينبثق من غرائزه ويمنحه القوة والمغامرة قد يكون أهمية الذات وحب التفوق والظهور، بيد أن أهمية الذات وحب الظهور يمكن أن يعبر عنهما تعبيرا رديئا كالزهو والكبرياء والعدوان.
فإذا عبر عنهما السياسي النظيف بخدمة بلاده ووطنه، كان ذلك الدافع الغائي جليلا، وكان السلوك عظيما.
وإذن فالدافع الغائي هو الذي يعطي سلوكنا صفة الجمال أو القبح، وهو يواتينا بقدر ما نمنحه من رعاية واهتمام وانتباه.
وهنا يلتقي الإسلام بالعلم على صعيد واحد.