فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 5287

«قد اتفق لي فيما مضى من الأعوام أن حظيت بشرف المشاركة في أعمال مؤتمرات عديدة تتعلق بأغراض تربوية أو فلسفية، فكنت في كل مرة أشعر بشتى العواطف والأحاسيس والخواطر تزدحم في النفس وتبعث فيها ما تبعث من الحماسة والنشوة، وكان لي في كل ذلك ما يجذب إلى النزول في حلبة الفكر، أقدح زنده واستجدي جوده، وأستمد من مدد نوره لتحليل مشكلة حفت بها ضروب اللبس، أو توضيح معضلة تشعبت مسالكها، أو تبديد أوهام تراكمت علة الأذهان فسدت عليها الآفاق، أو كسر سدود ناهضت الهمم فأغلقت في وجهها أبواب الحق والخير والجمال ...

ولكن نفسي لم تكتظ قط في سالف المؤتمرات بما تكتظ به في هذه الساعة بهذا المؤتمر من صنوف الأحاسيس، ولا استشعرت بما تستشعر به من عزة الموقف وخطورة الأمر وثقل المسؤولية ...

وإني لا شعر بالخصوص بأن جنس اتصالي بهذا المؤتمر ليس جنس اتصالي ببقية المؤتمرات ...

فهو يلتصق بحلم فكري وحلم إحساسي وحلم إرادتي بأوثق ما يكون الالتحام ... حتى أنه ليمكن لي أن أؤكد إن تفضلتم فسمحتم لي بذلك أنه مؤتمري الخاص!

أقول هذا شاعرا بما في هذا القول من الدعوى ومن الغرور.

إلا أني ما كنت لأعرب وسط جمعهم المحترم عن هذه الدعوى ولا عن هذا الغرور، لو لم يكن في ذلك أصدق التنويه بالهمم التي أبت إلا أن تسهر على تنظيم هذا المؤتمر، فاضطلعت بمهام عقده واعتنت بتوفير أسباب نجاحه ...

وهل يمكن أن يكون هنالك فخر لها أعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتحوم جلساته ومحاضراته ومناقشاته لا حول الآراء الجافة والخواطر المجردة والكليات الجامدة، بل حول ما يلتصق هذا الالتصاق بلحم المشاركين فيه إرادة وفكرا وإحساسا؟

وهل يمكن أن يكون فخر لها أعظم من فخرها بمؤتمر تعقده فتدور جلساته ومحاضراته ومناقشته، حتى الأصداء لما يخامر ضمائر أعضائه المسلمين من ملح الشواغل الفكرية، حول مصير المجتمع الإسلامي ومصير قيم المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر؟ ...

ولئن قلت إن هذا المؤتمر الخاص، فلأن المسائل والقضايا والمواضيع التي قرر عرضها على العقول في جلساته، قد عطفت عليها بالبحث والتنقيب مدة سنوات عديدة، فما تركتها ولا تركتني إلى أن أصبحت شغلي الشاغل وهمي الملازم تتبعني كظلي حيثما حللت، وتهمين على مشاعري كلما فكرت، وتسد علي الأفق كلما ساءلت النفس عن المصير! ..

ولا غرو، فهي مسائل وقضايا ومواضيع حيوية بالإضافة إلى القيم التي هي دعائمه، وليست هي مجرد الفرص تنتهز لبعث ميت الأصداء ومجاج الآراء وغث الأنظار حول الماضي وشؤونه.

وإني لحريص كنه الحرص على أن أؤكد هنا رأيا أومن به أرسخ الإيمان وهو أن «الفكرة الحية» التي تفيض عنها القريحة السليمة الخصبة، لهي أداة للهدم مثلما هي أداة للبناء ... تنطلق من الفؤاد المضطرم انطلاق السهم ولها رنينة فتشق لنفسها الطريق هادمة بانية راقصة فواحة ساطعة ...

هي من معدن الإيمان ...

بل هي الإيمان بالإيمان الذي يقلقل الجبال ...

تنقض على شؤون الواقع انقضاض الإعصار، فتحطم ما يلي من أوضاعه وتعفن من شؤونه وفسد من أركانه ووهن من أصوله، فتمهد بذلك السبيل أمام معجزات البعث ...

وليس من شك عندي أن ما يجري من النقاش والبحث والنظر في جلسات هذا المؤتمر، إنما يجب أن تكون ضالته «فكرة» من هذا الجنس إن أردنا للمؤتمر نجاحا!

فهي هي الكفيلة بأن تبعث المجتمع الإسلامي بالمشرق والمغرب البعث الحقيقي، فيصبح من جديد بعد ليل اتصل دهورا «دارا عقلية» مجتهدة نيرة المبادئ منغمة القيم منسقة المفاهيم متجانسة الشؤون رحبة الأجواء، حتى نتنفس فيها ملء الرئتين، بينها وبين واقعنا الجديد أشد الالتحام وأقوى الاتصال وأروع الوشائج، كي يمكن أن تعضد ذلك الواقع، كي تستمد من ذلك الواقع قوة وصلابة (1) ...

(1) راجع مجلة الفكر عدد 10 شهر جويلية سنة 1957 محاضرة عن (( الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم، أو شؤون دارنا العقلية ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت