فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
استثنينا طائفة محدودة منهم، فجلهم لا يظهر بمظهر القائد المفكر، اذ أن قراءتهم تقتصر على كتب القرون الوسطى، وأفكارهم محافظة لا تقبل التجديد، وهم لا يسايرون العالم إلا بصعوبة.
وبالرغم من عقم القرويين من الناحية الروحية، فقد ظلت فاس المركز الثقافي لغاية الوقت الحاضر ولم يكن المغاربة وحدهم هم الذين يقصدون مدينة مولاي ادريس بقصد التعليم، بل كان الجزائريون والتونسيون ويقصدونها أيضا لنفس الغاية.
هذا ولم تكن جامعة القرويين وحدها مركزا للتبادل الثقافي، بل كان ذلك في بيوت تجار فاس، وفي الاجتماعات السياسية، وفي المقاهي والمتاجر.
ولم تكن المظاهرات الثقافية محصورة بين جدران المسجد الجامعي، بل أن المناقشات العلمية كانت تدرس في مدارس السكن الجميلة في بنائها والغير صحية في حالتها.
و يجدر بالذكر هنا أن حزب الاستقلال قد تأسس في إحدى غرف تلك المدارس.
بالرغم من سيطرة القرويين سيطرة تزمتية، فقد أنجبت قادة تقدميين ومجددين، وفي مقدمتهم الزعيم علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال، واحد القادة الذين قادوا الأمة إلى الاستقلال، وهؤلاء الزعماء قد تلقوا خصائص التقدم الاجتماعي ومبادئ التحرر من جامعة القرويين، وهم الذين نفخوا في الشبيبة روح الاستقلال، ويرجع الفضل في إصلاح الشبيبة ممن الناحية الاجتماعية والسياسية الى ما كانت تتلقاه على يد حزب الاستقلال، وان الكثيرين من رجالا ت المغرب من الوقت الحاضر، هم تلامذة القرويين، ومن المشبعين يروحها لما تلقوه فيها من علوم.
يجب ألا ينظر إلى قضايا القرويين في الوقت الحاضر بمعزل عن بقية القضايا الأخرى، فالقرويين ليست في حد ذاتها سوى واحد من مجموع القضايا التي جابهت المغرب بعد الأسبوع الأول من الاستقلال. ومن قضاياها الجديرة بالذكر، العمل على ربط ماضيها بحاضرتها، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية وما يجب اتخاذه من الأوضاع السياسية والاقتصادية، وصيانة الشباب الذين تغريهم الأفكار الحديثة، وليست هذه القضايا جديدة ولا غريبة عن المغرب.
إن مغرب اليوم يعيش في فترة انتقال من حياته. وان القليل من مظاهر تلك الحياة هو الذي وجد قالبه الخاص، أما الباقي فهو يعاني صعوبة في التكييف.
لقد تغير المغرب تغيرا ظاهرا محسوسا مند سنة 1956 إلى الآن أكثر مما تغير خلال ثلاثة عقود، فالموظفون بالقصر الملكي وفي دواوين الحكومة، ورجال الحرف و التجارة، والأساتذة والتجار قد تخلوا عن ألبستهم الجميلة، وارتدوا الملابس الغربية، وهم يعللون هذا يكون الملابس الغريبة وأرخص ثمنا وأكثر أحكاما، وان الملابس القديمة ليست عملية بالنسبة للأعمال الحديثة التي أصبحوا يزاولونها.
فلأول مرة سنة 1957 بدأ المغاربة يقدمون الطعام لضيوفهم سواء في الحفلات الخاصة أو الرسمية منها، مستعملين السكاكين والشوك، وغني عن البيان، القول بأن صنف الطعام المتقدم الآن أصبح أقل من ذلك الذي كان يطبخ في الماضي على الطريقة المغربية، وان الضيوف أصبحوا يستمتعون الآن أقل مما كانوا يستمتعون من قبل، نظرا للأغلاط المرتكبة في استعمال الطريقة الغربية.
ففي بيت أحد التجار المغاربة الأثرياء، الذي كنت قبل سنة أتناول فيه طعاما مغربيا فاخرا، قدم لي عشاء على الطريقة الفرنسية، ومكان الشاي المنعنع الذي كان يقدم قبل الأكل، احتلته المشروبات المثلجة التي أصبحت تعوض ما كان يقدم من الماء خلال الطعام.
وان ما يتمتع به المغرب الآن من وحدة اجتماعية و سلالية وسياسية، يرجع الفضل فيه لقيادة محمد الخامس، ورجال حزب الاستقلال، وان الملك ليتمتع بسمعة عظيمة، ولا توجد فئة من المغاربة لا تنظر
إليه كرجل يستطيع حل الكثير من المشاكل الروحية والمادية وان سرعة تقلب الأحوال قد أخذته على غرة، فأجابه الحوادث الغير منتظرة يوما بيوم، وهو يملي لها ما تستلزم من حلول كان في الماضي يسقبلها تأويل طويل وما يقال في الحق الملك يقال في يقال أيضا في حق الحزب الاستقلال وخاصة مفكريه ومنظميه، مثل علال الفاسي، والمهدي بن بركة، اللذين كانا يحصران جهودهما في الكفاح من اجل الاستقلال، وعندما تحقق الاستقلال حدثت كثير من القضايا لم تكن في الحسبان، من بينها السعي للتوفيق بين العرب والبربر الذين يكونون عناصر المجتمع المغربي، للاستجابة لمستلزمات الوحدة والتجديد و إقامة نظام ديمقراطي.