فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 5287

فيوجد في واقع الأمر ـ إلى جانب هذه الصفحات (( الاشتراكية ) )غير المشرقة بالنسبة إلى مأساة صفحات (( فرنسية ) )أخرى أكثر تلألؤا وأشد إلتماعا، إنها هي تلك التي تسجل مواقف كثير من أعلام الفكر الفرنسي ورواده البارزين الذين أمكنهم ـ بما يتوفرون عليه من طاعات شعورية ممتازة وقدرة إحساس رفيع ـ أن يتبنوا ـ بالنظر للصراع الجزائري ـ مواقف مميزة وواضحة محدودة ومشبعة بروح النزاهة والتجرد، الأمر الذي لا يمكن من الجزم بأنه من الميسور الحكم على طبيعة الاتجاه التاريخي الذي تتقفاه الحركة البعث التحريرية في فرنسا باعتبار الأسس الفكرية الأولى التي تقوم عليها وهذا سر ما نراه من مظاهر الإعتساف الذي ينصب على هؤلاء البارزين في ميادين الفكر والثقافة والسياسة سواء في باريس أو غيرها، فلم تمنح بعد من أذهاننا قصة الأستاذ منذور الذي كان موضوع تدابير عدلية صارمة، نتيجة لموقفه السوي من الحرب الجزائرية. وعلى ذكر مندور فإنه لا يندعنا أن نستعرض أسماء لامعة أخرى كانت ملحمة الجزائر سبيلا جديدة لبروزها وتعطير ذكرها، ومن بينها: سارتر، مورياك، دو فيرجي، كابتان، ب هـ سيمون وغيرهم ممن صنعوا وجه الفكر الفرنسي وأضفوا عليه كثيرا من الوراء والإشراق.

إن الأهمية البالغة التي تمكن وراء مواقف هؤلاء الإعلام لا تستند إلى ثقل وزنهم على الٍرأي العام الفرنسي وإمكانية تأثيرهم على المسؤولين في باريس حتى يعدلوا من نوع السلوك الذي ينتهجونه في تصفية القضية الجزائرية، وإنما الذي يرتبط بهذه المواقف ويكسبها أهميتها الحالية هو المدلول الذي توحي به وتعبر عنه بكل نصوع ووضوح، فهي على الأقل تؤذن بأن الفكر الفرنسي وخاصة الجانب المتحرر منه لم تصل مطلقا إلى الحد الذي يمكن معه اعتباره انهزاما أو أفولا كما قد يبدو ذلك عند الملاحظة العابرة.

ويتصل بهذا ما يمكن أن يلمحه المراقب من تلقائية المعارضة الفكرية الفرنسية وأصالتها إلى الحد الذي غدت معه أحيانا تتخذ شكلا جماعيا وتكتليا، وقصة عريضة المحامين الفرنسيين الخمسين هي من بعض شواهد ذلك إذ أنها برهنت مجددا على أن رد الفعل التقدمي لم يعد مقصورا على بعض الأدمغة الناضجة الواعية بل أنه عدا ذلك إلى أن أضحى على درجة أصبح يأخذ معها بالتدريج شكل جبهة متساندة متراصة قد يكون لها شأنها في تحديد موقف الشعب الفرنسي من قضية السيطرة ومذنباتها بوجه عام ومأساة الجزائر بوجه خاص.

على أن مشاهد القوة البالغة التي تمثل أدورها رجال (( ماسو ) )على ضفة المتوسط الجنوبية لم يكن لها إلا أن تساعد على تحديد مواقف أخرى أكثر بروزا وأشد وضوحا، وهذا ما تعبر عنه هذه الفقرات من هذا النداء المؤثر الذي سلف أن وجهه الاتحاد البروتستانتي إلى الضمائر الفرنسية الواعية محددا هكذا موقفه من مآسي التعذيب المتجسد في العمليات بالجزائر:

(( إن الشواهد التي لدينا عديدة وفائقة القيمة وإن التنكيل الذي يمارسونه لعلى درجة بالغة من الخطورة وأننا لواثقون أن الدفاع عن شرف الجيش ومعنوياته ..

يعني ردع الذين يجترحون هذه الكبائر لأولئك الذين يشجبونها )) .

وأبلغ من ذلك دلالة بيان مجمع كرادلة والأساقفة الفرنسيين حيث جاء أنه (( في الأزمة الآتية يتعين على الجميع أن يدركوا أنه ليس يتلاءم والمعقول أن يتم اللجوء لخدمة قضية ما أيا كانت صبغتها العادلة إلى وسائل مماثلة تعتبر غاية في الشناعة ... ) )

إن الحقيقة الأكثر بروزا في مجال الفكر الفرنسي وانفعالاته حيال قضية السيطرة المتجسدة في الصراع الجزائري هي أنه لم يثبت بشاهد الحوادث ما من شأنه أن يجعل قوة الوعي التحرري مرتبطة ارتباطا حتميا بهيئات أو تكتلات معينة. إن حقائق العراك في الجزائر لم يكن لها إلا أن تبرز أصالة الاتجاه التقدمي أو زيفه بالنسبة إلى هذه الجهات أو تلك بصورة تتنافر إلى حد بعيد ومعطيات الوضع السياسي الفكري ـ كما كان يبدو من قبل ـ سطحيا للمراقب الأجنبي.

وتتأكد هذه الظاهرة في جلاء إذا تأملنا جيدا البيانات التي أسلفنا بإحدى الأساليب الاشتراكية في حل المعضل الجزائري تلك التي عبر عنها ماكس لوجون حينما قال: أن هذه الحرب لا يمكن أن تتطاول أكثر من بضعة أسابيع إذا نحن واجهناها مواجهة (( جدية ... ) )!! ـ وتتأكد أيضا إذا قايسنا بين الاتجاهات (( الجزائرية ) )لوحدتين كبيرتين من وحدات القوى السياسية الفرنسية وذلك عندما نوازن بين الفقرات المتصلة بالجزائر في الملتمسات التي صادق عليها الرادكاليون في (( واكرام ) )وبين الجو (( التحرري ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت